حين يتحوّل الثوب إلى وثيقة حيّة، تصبح الخيوط سجلاً لذاكرة النساء اللواتي حملن التاريخ على أكتافهن. هذا ما عملت عليه الباحثة السورية عايدة دالاتي في مشروعها لتوثيق الأزياء التراثية السورية، بوصفها مرآة لثقافة المرأة السورية ودورها في صون الهوية عبر الحرفة والمعرفة المتوارثة.
من سوق الحميدية إلى البحث الأكاديمي

بدأت الحكاية في أروقة سوق الحميدية، حيث تعرّفت دالاتي في سنوات مبكرة إلى سحر الأقمشة المطرزة. هناك تشكّل وعيها الأول بقيمة الثوب بوصفه حاملاً للمعنى، قبل أن تتجه إلى دراسة الأزياء أكاديمياً في الولايات المتحدة. انطلقت لاحقاً من مقتنيات جدتها العائدة إلى ثلاثينيات القرن الماضي، معتبرة أن خزانة المرأة السورية أرشيف بصري لا يقل أهمية عن الوثائق المكتوبة.
النقوش بوصفها سردية حضارية

ترى دالاتي أن كل زيّ تقليدي يعكس جغرافيا كاملة. فـ“القندرة” المنسوبة إلى سراقب في إدلب تحمل زخارف يُعتقد أن جذورها تعود إلى حضارة إيبلا في تل مرديخ، وربما إلى ماري ومناطق الفرات. وتشير إلى أن الألواح المسمارية في مكتبة إيبلا وثّقت صناعة النسيج بالأمتار، في دلالة على مكانة الحرفة في الاقتصاد القديم. هنا لا تبدو المرأة صانعة ثوب فحسب، بل شريكة في إنتاج المعرفة والاقتصاد.
تدمر: حين تتكلم الأعمدة بخيوط ملونة
في قراءتها للزيّ التدمري، تعود الباحثة إلى مرحلة ازدهار المدينة على طرق التجارة. تستلهم زخارف بعض الأثواب من أعمدة تدمر، ولا سيما في منطقة السخنة، حيث تتجسد الخطوط الأفقية في التطريز، بينما يحاكي الطربوش شكل تاج العمود. وتبرز أزياء العروس بوصفها مساحة تعبير أساسية للمرأة، إذ تحملها معها إلى بيت الزوجية محمّلة برموز الطبيعة والخصب والاستمرارية.
الألوان كلغة اجتماعية
في كتابها التوثيقي، قدّمت دالاتي نماذج مصغّرة لأزياء تمثل حقباً مختلفة، مع قراءة دقيقة لدلالات اللون. الأزرق الفاتح يحيل إلى أجواء العصر الأموي، وألوان الجواهر تعكس فخامة المرحلة المملوكية، فيما يرتبط الزهري الفاتح برهافة العهد الأيوبي. كما تظهر المرايا والصدف في بعض الأثواب، في إشارة إلى معتقدات شعبية ترى فيها وسيلة للحماية من العين. بهذا المعنى، يصبح الثوب مساحة تتقاطع فيها الجمالية مع المعتقد الاجتماعي، وتغدو المرأة حارسة للرمز والمعنى.
التطريز السوري في فضاء الانتشار الدولي

لم تقتصر الدراسة على دمشق وحلب، بل امتدت إلى حماة وحمص وحوران والجزيرة الفراتية، حيث ازدهرت صناعة الحرير. وتوثّق دالاتي كيف تجاوزت الأقمشة السورية حدودها الجغرافية، فوصلت إلى أسواق المتوسط مثل روما و”جنوى” و”البندقية” محتفظة بخصوصيتها المحلية رغم انخراطها في تجارة عالمية. وفي عام 2021 نقلت الزي الرقاوي إلى الولايات المتحدة، بالتعاون مع نساء يعملن في التطريز، في مبادرة تؤكد قدرة الحرفة النسوية على الاستمرار خارج موطنها الأصلي.
حماية الذاكرة البصرية
ضمن مقاربتها المتحفية، أعادت الباحثة تدوير رؤوس وأيدي مجسمات من قاعة الأزياء في قصر العظم إلى قاعة العروس، معتبرة أن هذه المجسمات جزء من ذاكرة المكان. فالحفاظ على العرض المتحفي ليس إجراءً تقنياً فحسب، بل فعل صون لذاكرة المرأة السورية التي تجلّت عبر القرون في الخيط والإبرة.
بجهد السيدة عايدة دالاتي يتحوّل الزيّ التقليدي من قطعة قماش إلى شهادة ثقافية مكتوبة بلغة النساء، ويغدو التطريز فعلاً توثيقياً يثبت أن المرأة السورية لم تكن على هامش التاريخ، بل في صميم صياغته البصرية والاجتماعية.
- بثينة الخليل






