مخيمات الشمال السوري لأبناء الجولان11

لم يعد ملف النزوح في سوريا شأناً إغاثياً عابراً يُعالج بسلال غذائية أو حلول موسمية، بل بات اختباراً سيادياً وأخلاقياً لقدرة الدولة والمجتمع على الانتقال من إدارة الكارثة إلى صناعة الاستقرار. فبعد سنوات الحرب الطويلة، لم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت، بل تحوّلت إلى رمز لفشل مقاربة استمرت أطول مما ينبغي. والسؤال اليوم: هل نملك الشجاعة للانتقال من منطق “الإغاثة الدائمة” إلى منطق “الإعمار المرحلي المنظّم”؟

من الطوارئ إلى الاستحقاق الوطني

العيش في الخيام لم يكن يوماً خياراً إنسانياً مقبولاً، بل اضطراراً فرضته الحرب وانهيار البنى التحتية. غير أن استمرار هذا النموذج بعد انحسار العمليات العسكرية في مناطق واسعة يعني عملياً إدامة حالة الطوارئ وتحويلها إلى واقع شبه دائم. كل يوم إضافي في المخيمات هو استنزاف جديد للكرامة الإنسانية وللموارد العامة على حد سواء.

إن تفكيك المخيمات العشوائية لا ينبغي أن يُقرأ كخطوة لوجستية فحسب، بل كبداية فعلية لمسار التعافي الوطني. إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت، بل باستعادة الشعور بالأمان والاستقرار. وهذا لن يتحقق ما دام مئات الآلاف يعيشون تحت القماش، عرضة لتقلبات الطقس وهشاشة الخدمات وغياب الأفق.

المساكن الجاهزة: حل مرحلي بعقل استراتيجي

في هذا السياق، تبرز المساكن مسبقة الصنع بوصفها خياراً عملياً يجمع بين السرعة والجدوى الاقتصادية والحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. هي ليست بديلاً عن السكن الدائم، ولا ينبغي أن تتحول إلى أحياء إسمنتية مغلقة تعيد إنتاج الهشاشة، لكنها تمثل جسراً ضرورياً بين النزوح والعودة المستقرة.

ميزة هذه الوحدات تكمن في قابليتها للإنشاء خلال أسابيع قليلة، ما يتيح نقل آلاف العائلات من بيئة المخيمات إلى تجمعات منظمة مزوّدة بخدمات أساسية. كما أن الاستثمار فيها لا يُهدر كما تُهدر المساعدات الموسمية؛ فهي أصول قابلة لإعادة الاستخدام أو النقل، ويمكن دمجها لاحقاً ضمن مخططات عمرانية أوسع.

الرهان هنا ليس تقنياً فقط، بل إداري وتنموي: كيف نحول هذه الوحدات من “ملاجئ انتقالية” إلى نواة لتجمعات منتجة، مرتبطة بالزراعة أو الصناعة أو الحرف المحلية، بحيث تصبح جزءاً من دورة اقتصادية حقيقية لا عبئاً إضافياً على الموازنة العامة؟

التحدي القانوني: ملكية الأرض وحدود الاستثناء

أي مشروع واسع للمساكن الجاهزة سيصطدم حكماً بملف الملكية العقارية، وهو أحد أعقد الملفات في مرحلة ما بعد النزاع. الأراضي المشاع، الملكيات المتنازع عليها، العقارات المدمرة أو غير الموثقة… جميعها تفرض مقاربة قانونية دقيقة.

الحل لا يكمن في تجاوز القانون، بل في تطوير أدوات استثنائية واضحة ومحددة زمنياً، تتيح استخدام أراضٍ معينة لأغراض إسكانية مؤقتة، مع ضمان حقوق المالكين الأصليين وعدم تكريس وضع دائم يفتح الباب لنزاعات جديدة. كذلك، لا بد من تبسيط الإجراءات الإدارية ومنح صلاحيات أوسع للوحدات المحلية لتسريع التنفيذ، من دون التفريط بمعايير السلامة والتنظيم العمراني.

من متلقين للمساعدة إلى شركاء في البناء

أحد أخطر أوجه إدارة ملف النزوح خلال السنوات الماضية كان حصر النازحين في دور المتلقي السلبي للمساعدة. المرحلة المقبلة تقتضي قلب المعادلة: تحويلهم إلى قوة عمل وشركاء في إعادة الإعمار.

برامج تدريب على تركيب وصيانة المساكن الجاهزة، إشراك ورش محلية في التصنيع والتجهيز، دعم مشاريع صغيرة تنشأ حول هذه التجمعات… كلها خطوات يمكن أن تخلق فرص عمل مباشرة وتعيد ضخ الحيوية في الاقتصادات المحلية. الإعمار ليس فقط إعادة بناء جدران، بل إعادة دمج الإنسان في دورة الإنتاج.

أما على المستوى الدولي، فإن استمرار التمويل الإنساني بصيغته التقليدية لم يعد كافياً. المطلوب انتقال حقيقي من تمويل الطوارئ إلى تمويل التنمية، عبر صناديق إسكان وبنى تحتية تضمن استقراراً طويل الأمد. الاستثمار في المسكن المستقر هو استثمار في السلم الاجتماعي.

جسر لا غاية: نحو العودة وإعادة البناء الدائم

ينبغي أن يظل واضحاً في الوعي العام أن المساكن الجاهزة محطة انتقالية، لا بديلاً نهائياً عن البيوت الأصلية. الهدف الاستراتيجي يبقى إعادة إعمار المدن والقرى المدمرة وإعادة السكان إلى ديارهم بأسرع ما تسمح به الإمكانات.

تأمين سكن مرحلي كريم يمنح العائلات استقراراً نفسياً ومادياً، ويتيح للدولة في الوقت نفسه إزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل البنى التحتية، ووضع مخططات عمرانية حديثة. بهذا المعنى، تصبح هذه الوحدات جسراً زمنياً ضرورياً، يختصر سنوات من المعاناة ويمنع تكريس جغرافيا جديدة للنزوح.

قرار أخلاقي قبل أن يكون عمرانياً

إن إنهاء مشهد الخيام في سوريا ليس حلماً طوباوياً، بل خياراً سياسياً وأخلاقياً قابل للتحقق إذا توفرت الإرادة والرؤية. المسألة لا تتعلق فقط بكلفة مالية، بل بأولوية وطنية: هل نضع الإنسان في قلب عملية الإعمار، أم نؤجل ملفه مرة أخرى بحجة التعقيدات؟

الانتقال من الإغاثة إلى السيادة يبدأ من السكن. من مساحة آمنة تضمن الحد الأدنى من الكرامة، وتفتح الباب أمام العمل والإنتاج والمشاركة. حينها فقط يمكن القول إن صفحة النزوح طُويت فعلاً، وأن الإعمار لم يعد شعاراً، بل مساراً عملياً يبدأ من الإنسان وينتهي بوطن مستقر.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top