كنيسة الروم الأرثوذكس في القنيطرة المهدمة

في قلب الجولان العربي السوري، وعلى المدخل الشرقي لمدينة القنيطرة، تنتصب أطلال كنيسة الروم الأرثوذكس كأنها شاهد صامت على تاريخ طويل من الإيمان والاعتزاز، وعلى جرح لم يندمل منذ عقود. هذه الكنيسة التي كانت يوماً منارة روحية وثقافية، تحولت بفعل الاحتلال إلى رمز للخراب، لكنها ما زالت تحتفظ بقدرتها على استدعاء الذاكرة والوجدان.

شُيّدت الكنيسة عام 1930م على يد المطران المثلث الرحمات كمندوس معلوف، بجهود أبناء الطائفة الأرثوذكسية وتبرعات من الكنائس الأخرى.
بنيت من الحجر البازلتي الأسود الذي يميز أرض الجولان، وأدخل المرمر والشمعدانات الأوروبية لتزيين جدرانها الداخلية.
كان شكلها مربعاً بمساحة تقارب 800 متر مربع، مؤلفاً من طابقين، يعلوهما برجان بارتفاع ستة أمتار وقبة دائرية جميلة تتخللها نوافذ زجاجية تسمح بدخول الضوء والهواء، لتمنح الداخل إحساسًا بالسكينة والصفاء. يحيط بها سور بازلتي وحديقة صغيرة، فيما يؤدي الباب الغربي إلى قاعة التعميد والعبادة، وتوجد أبواب شرقية ودرج جنوبي يقود إلى الطابق الثاني والسطح.

لكن هذه المعالم التي كانت تبعث الحياة في المدينة، لم تسلم من يد الاحتلال. ففي عدوان حزيران عام 1967، دخل الجيش الإسرائيلي القنيطرة، فكان نصيب الكنيسة أن تتحول إلى أطلال. دُمّرت جدرانها الجنوبية وسورها، نُهبت مقتنياتها وآثارها، وأُحرقت محتوياتها الداخلية.
لم يكن ذلك مجرد اعتداء على مبنى، بل محاولة لطمس هوية دينية وثقافية متجذرة في الجولان. ومنذ ذلك الحين، بقيت حجارتها السوداء تروي قصة مدينة أُريد لها أن تُمحى من الذاكرة، لكنها بقيت حاضرة في وجدان أهلها.

الأب جورج محصل، أحد الذين شاركوا في البناء، وصف الكنيسة بأنها “بناء مربع الشكل، مكون من طبقتين، تعلوهما مئذنتان وقبة دائرية جميلة، يدخل منها الضوء إلى قلب الكنيسة”. أما السيد يوسف ناصيف، من العائلات القليلة التي بقيت في القنيطرة أثناء الاحتلال، فقد عبّر عن حزنه العميق قائلاً: “أشعر بالحرقة والأسى على منظر الكنيسة كلما مررت من جانبها وهي مدمرة، وأتمنى أن يعود البناء إلى القنيطرة وتعود الحياة للمدينة ونتمكن من إقامة الصلوات في هذا المكان المقدس والطاهر.”

رغم الخراب، بقيت الكنيسة رمزاً حياً للسلام والذاكرة. ففي عام 2001م، زارها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، حيث ألقى كلمة وزرع غرسة زيتون داعياً أن يعم السلام على هذه الأرض. هذه الزيارة أعادت للكنيسة حضورها الرمزي كجسر بين الإيمان والعدالة، وأكدت أن الخراب لا يمكن أن يمحو قدسية المكان.

اليوم، تقف الكنيسة كجرح مفتوح في قلب القنيطرة، لكنها أيضاً شاهد على صمود الأرض والإنسان.

هي ذاكرة وطنية وروحية، ورمز للهوية السورية في الجولان المحتل. وبين حجارتها السوداء وقبتها المدمرة، يظل الأمل قائماً بأن تعود الحياة إلى المدينة، وأن تُقام الصلوات من جديد في هذا المكان المقدس، ليبقى شاهداً على أن الذاكرة لا تُمحى مهما طال الاحتلال.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top