معرض دمشق الدولي للكتاب بدمشق

سبعة أيام مرت على انطلاق معرض دمشق الدولي للكتاب تحت شعار “تاريخ نكتبه.. وتاريخ نقرؤه”، وهذا العنوان يضعنا مباشرة أمام مفارقة حادة؛ فبينما يحاول الشعار استحضار العراقة والتوثيق، يعيش الورق حالة حصار حقيقية وسط واقع يعيد ترتيب العالم بشكل قسري، من غرف الأخبار في واشنطن إلى أزمة السكن في مدننا المنهكة.

 ما حدث في أروقة “واشنطن بوست” يتجاوز فكرة إعادة الهيكلة الإدارية، فهو إعلان وفاة لزمن كان فيه “العمق” درعاً يحمي صاحبه. هذه المؤسسة العريقة المملوكة لـ “جيف بيزوس” —الذي يمثل تقاطع رأس المال المتوحش مع سطوة التكنولوجيا— لم تشفع لها عراقتها حين قررت التضحية بمئات الموظفين والصحفيين. لقد أثبتت التجربة أن الخوارزمية حلت محل المحرر، وأن السرعة الرقمية دهست العمق الصحفي في مشهد يعكس التوحش التقني، حيث يتم استبدال الخبرة البشرية والنزاهة المهنية ببيانات صماء توفر النفقات وتطارد النقرات السريعة (Clicks)، ليصبح الصحفي مجرد ترس في آلة لا تعترف بالولاء، بل بالربحية المحضة.

​وهذا الانهيار الوظيفي يقابله انهيار مكاني في حياتنا اليومية، تظهره عيون الشباب المتجولين بين أجنحة المعرض في دمشق؛ وهم يواجهون مأزق جيل يصارع لتأمين إيجار شقة ضيقة بالكاد تتسع لأنفاسهم. فكيف لهؤلاء أن يحلموا بغرفة للمكتبة؟ إن العمارة الحديثة، التي صُممت كعلب خرسانية للنوم فقط، جعلت من الرفوف الورقية عبئاً ثقيلاً، وحولت الكتاب إلى ملف إلكتروني مخزن في الذاكرة الافتراضية. لم يكن هذا التحول حباً جارفاً في “الرقمنة”، بل كان هرباً اضطرارياً من ضيق الجدران التي لم تعد تتسع لغير قاطنيها.

​ليصبح المعرض في يومه السابع شاهداً على عالم يطرد الموظف من مكتبه، ويحرم الشاب من بناء مكتبة في بيت يملكه. نحن نعيش عصر “اللا استقرار”؛ فالكتاب الذي لا يجد رفاً يأويه يشبه تماماً الصحفي الذي لا يجد عقداً يحميه. كلاهما ضحية لثقافة “الاستغناء” التي تفرضها الحداثة المشوهة، حيث تسقط القيمة المعنوية أمام التوفير المادي والمساحي.

​فهل نحن أمام مستقبل تتحول فيه الثقافة إلى مجرد ملفات تائهة في سحابة إلكترونية لأننا لم نعد نملك الأرض التي نضع عليها رفوفنا؟ وكيف لنا أن نؤمن بحصانة الكلمة إذا كان كاتبها مهدداً بضغطة زر، وتاريخه الورقي لا يجد جداراً يأويه؟ أم أننا سنكتفي بمشاهدة الكتب في المعارض كقطع أثرية تنتمي لزمن غابر، زمن كان فيه للإنسان سكن حقيقي وفائض من الوقت والمساحة، لننتهي بقراءة تاريخ لم نعد نملك حتى “المكان” اللازم لكتابته؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top