امرأة سورية تعمل على تفكيك المتفجرات في حقل جاف

لم يعد دور المرأة السورية في العمل الإنساني مقتصراً على التنسيق الإداري أو الدعم اللوجستي، بل بات حضورها اليوم واضحاً في خطوط الاستجابة الأولى للكوارث الطبيعية ومخلفات الحرب. هذا التحول اللافت لم يأتِ نتيجة شعارات تمكين أو كسر صور نمطية بقدر ما فرضته الحاجة الميدانية، وأثبتته التجربة العملية في بيئات عالية الخطورة.

على امتداد الجغرافيا السورية، تعمل نساء في مهام إسعافية جوالة، وإزالة الألغام، والاستجابة الطارئة للحرائق والانهيارات، في مناطق تتسم بتضاريس قاسية ومخاطر يومية. وفي ريف اللاذقية، أعادت وفاة المتطوعة سميحة رخامية أثناء أداء واجبها الإسعافي تسليط الضوء على حجم المخاطر التي تواجهها النساء العاملات في الميدان، وعلى طبيعة الخيارات التي اتخذنها بوعي كامل.

مسارات متعددة… وميدان واحد

تتنوع أشكال المشاركة النسائية في الاستجابة الإنسانية، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: العمل المباشر في ظروف غير آمنة.في شمال سوريا وإدلب، خضعت فرق نسائية لتدريبات متخصصة في الكشف عن الألغام ومخلفات الحرب، وشاركت في أعمال المسح غير التقني والتوعية المجتمعية، وهي مراحل حساسة تُبنى عليها عمليات الإزالة لاحقاً.
وفي فرق الدفاع المدني والإسعاف الأولي، تعمل متطوعات في الاستجابة للحرائق، والبحث والإنقاذ، والإخلاء خلال الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الانهيارات الجبلية والحرائق الحراجية.

لماذا غادرت النساء العمل المكتبي؟

لم يكن القرار مفاجئاً، ولا لحظة بطولية واحدة. بدأ الأمر تدريجياً، مع كل نداء إسعافي لا يجد من يستجيب، وكل قرية بعيدة لا تصلها الفرق في الوقت المناسب. في مكاتب المنظمات، كانت النساء يشاهدن الخرائط، ويقرأن التقارير القادمة من الميدان، قبل أن يدركن أن بعض الثغرات لا يمكن سدّها من خلف الشاشات.

في مناطق نائية ومحافظة، كان غياب النساء عن فرق الاستجابة يعني عملياً غياب جزء من المجتمع عن الخدمة. نساء وأطفال لا يفتحون الأبواب لفرق لا تضم متطوعات، ومراكز إيواء يصعب العمل فيها دون وجود عنصر نسائي. شيئاً فشيئاً، تحوّل وجود النساء من خيار إضافي إلى ضرورة ميدانية.

مع الوقت، لم يعد الانتقال إلى الميدان استثناءً. بعض المتطوعات بدأن في الإسعاف الجوال بعد سنوات من العمل الإداري، أخريات وجدن أنفسهن في تدريبات على التعامل مع مخلفات الحرب، أو ضمن فرق الإخلاء أثناء الحرائق والانهيارات. التجربة وحدها كانت كافية لتغيير النظرة، الدقة، الانتباه، والقدرة على العمل تحت الضغط لم تكن صفات نظرية، بل واقعاً يومياً في الميدان.

ورغم المخاطر، لم يكن الدافع مغامرة أو تحدياً رمزياً. كثيرات اعتبرن أن البقاء في المكتب، مع معرفة حجم الحاجة خارج الجدران، أصبح خياراً أخلاقياً صعباً. فالميدان، بكل ما فيه من خوف وخسارة، بدا المكان الوحيد الذي يمكن أن تُحدث فيه الاستجابة فرقاً حقيقياً.

أرقام تعكس التحول

لم يعد حضور النساء في العمل الإنساني السوري استثناءً يمكن تجاهله بالأرقام. داخل صفوف الهلال الأحمر العربي السوري، تشكّل النساء اليوم ما يقارب نصف عدد المتطوعين، مع حضور متزايد لهن في فرق الاستجابة للكوارث والإسعاف الأولي، بعد أن كان دورهن يقتصر لسنوات على مهام الدعم والتنسيق.

وفي الدفاع المدني السوري، لم تعد مشاركة النساء محصورة في الرعاية الصحية أو الدعم النفسي. أكثر من ثلاثمئة متطوعة يعملن حالياً في مراكز مخصصة، وانتقلت نسبة منهن إلى مهام ميدانية عالية الخطورة، تشمل البحث والإنقاذ والاستجابة للحرائق، جنباً إلى جنب مع الفرق العاملة على خطوط الطوارئ الأولى.

أما في شمال غرب سوريا، حيث لا تزال مخلفات الحرب تشكل تهديداً يومياً، فقد دخلت النساء مجالاً كان يُعدّ حتى وقت قريب حكراً على الرجال. فرق نسائية تشارك اليوم في أعمال المسح غير التقني والتوعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة، وهي مراحل أساسية تُبنى عليها عمليات إزالة الألغام لاحقاً، وتحدد مستوى الأمان في القرى والمناطق المتضررة.

أثر يتجاوز الأرقام

لا تنحصر أهمية هذا الحضور في عدد المتطوعات، بل في نوعية التأثير الذي أحدثنه. تقارير ميدانية تشير إلى تحسّن ملحوظ في تجاوب النساء والأطفال مع التعليمات الطبية والإغاثية عند وجود متطوعات ضمن فرق الاستجابة، نتيجة عامل الثقة والشعور بالأمان.

تجارب النساء العاملات في الإسعاف الجبلي، وحقول الألغام، ومواقع الكوارث، تعكس تحوّلاً حقيقياً في بنية العمل الإنساني السوري، حيث لم تعد المرأة استثناءً في تحمّل المخاطر المهنية والجسدية، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من منظومة الاستجابة، وشريكاً مباشراً في مواجهة الطوارئ وإنقاذ الأرواح.

  • ميساء الشيخ حسين

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top