كيف سقط بشار الأسد من الداخل

شهادات تكشف الساعات الأخيرة قبل الفرار من دمشق

لم يكن انهيار نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 مجرد نتيجة لتقدم عسكري سريع للمعارضة، وإنما كان خلاصة مسار طويل من التفكك الداخلي، وسلوك شخصي معقّد لرئيس حكم سوريا بمنطق العزلة والإنكار، قبل أن يختفي تاركا أقرب دائرته في مواجهة مصيرهم.

هذا ما يكشفه تحقيق مطوّل نشرته مجلة أتلانتك الأمريكية للكاتب روبرت وورث، استند إلى شهادات ضباط ومساعدين عاشوا الأيام والساعات الأخيرة داخل القصر الرئاسي في دمشق.

تطمينات حتى اللحظة الأخيرة

بحسب الشهادات، فإن الأسد واصل تقديم صورة مغايرة للواقع حتى قبيل مغادرته البلاد. ومع اقتراب قوات المعارضة من العاصمة، أكّد لمساعديه أن “الأمور تحت السيطرة”، وأن اتصالات إقليمية ستقود إلى وقف الهجوم، فيما استمرت البيانات الرسمية بالحديث عن وجوده في القصر ومتابعته لمهامه الدستورية.

في الخلفية، كانت الاستعدادات جارية لمغادرته سرا على متن طائرة روسية، دون إبلاغ الدائرة الأوسع من المسؤولين العسكريين والأمنيين، الذين بقوا في مواقعهم معتقدين أن المواجهة ما زالت ممكنة.

أحد مرافقيه في تلك الساعات يروي أن الأسد لم يتراجع عن خطاب الطمأنة حتى عندما بدأت مؤشرات الانهيار تظهر بوضوح، في وقت كان الجيش يتفكك، والإيرانيون يخففون حضورهم، والروس يواجهونه بتقارير تؤكد تراجع قواته عن القتال.

 نجاة فردية

في الساعات الأولى من فجر 7 ديسمبر، طلب الأسد الهارب تجهيز سياراته وحزم أمتعته بسرعة. عندها فقط بدأ من حوله يدرك أن الرئيس ينوي المغادرة النهائية ولا ينوي الظهور أو إدارة المرحلة.

لم يرافقه سوى اثنين من مساعديه وابنه حافظ، بينما أُبلغ الآخرون بشكل مباشر أنه لا مكان لهم. أحد المشاهد التي يوردها التحقيق تتعلق بسائق الأسد الشخصي، الذي سأله عند الباب إن كان سيتركهم فعلا، دون أن يتلقى جوابا يعكس تحمّل مسؤولية أو اعتذارا.

حتى داخل العائلة، لم يكن الجميع على علم بما يجري. يذكر التحقيق أن ابن عمه إيهاب مخلوف تلقى تطمينات شخصية من الأسد بعدم وجود خطر، قبل أن يُقتل لاحقا أثناء محاولته الفرار، في وقت كان فيه الرئيس قد أمّن طريق نجاته.

نمط حكم

يضع روبرت وورث هذه الوقائع ضمن سياق أوسع لطريقة حكم الأسد، معتبرا أن ما جرى كان امتدادا لنمط طويل من إدارة الدولة بعقلية فردية، ترفض النصيحة وتتعامل مع المحيط بوصفه أدوات مؤقتة. ولم يكن تصرفا استثنائيا تحت الضغط.

بحسب شهادات ضباط ومقربين سابقين، تجاهل الأسد مبادرات سياسية عربية ودولية كان يمكن أن تعيد تعويم نظامه وتخفف عزلته، كما استهلك ولاء حلفائه حتى وصلت موسكو وطهران إلى قناعة بأنه لم يعد استثمارا مضمونا.

في المقابل، تُرك الجنود والموظفون برواتب بالكاد تكفي للعيش، بينما توسعت شبكات الاقتصاد غير الشرعي المرتبطة بالنظام، وعلى رأسها تجارة الكبتاغون.

 رئيس معزول عن الواقع

يتحدث التحقيق عن حاكم عاش في عزلة متزايدة، منفصل عن تفاصيل البلاد اليومية، وقضى جزءا كبيرا من وقته في الاهتمام بأمور بعيدة عن حجم الانهيار الذي كانت تمر به سوريا حيث كان مهتما بالالعاب ومشاهدة الافلام الجنسية. وينقل الكاتب عن مصادر متعددة وصفهم للأسد كشخص يرفض الاستماع للنصائح، وسريع الانزعاج منها، وميّال للانغلاق.

هذا السلوك، بحسب من عرفوه، ارتبط بخلفيته الشخصية. فبشار لم يُعدّ يوما ليكون رئيسا، جاء إلى الحكم بعد مقتل شقيقه باسل عام 1994، وحُمّل دورا لم يكن مهيأً له نفسيا ولا سياسيا. ويشير عدد من الشهود إلى أن شعورا دائما بعدم الثقة بالنفس رافقه، وظهر في عناده وتصلبه.

 سقوط الولاء قبل سقوط الدولة

مع انتشار خبر فراره، انهار ما تبقى من صورة الولاء داخل معسكره. كثيرون ممن دافعوا عنه لسنوات انقلبوا عليه علنا، بعضهم بدافع الغضب، وآخرون لمحاولة النجاة الشخصية.

لكن القاسم المشترك في الشهادات كان الإحساس بالخيانة. فعدد من الضباط يؤكدون أنهم كانوا مستعدين للقتال أو لتنظيم انسحاب واضح، لو قيلت لهم الحقيقة. ما حدث، وفق روايتهم، هو استخدامهم كواجهة لتغطية قرار فردي بالهروب.

نهاية ثقة

يخلص تحقيق أتلانتك إلى أن سقوط بشار الأسد لم يكن حتميا عسكريا بقدر ما كان نتيجة شخصية حكمت بمنطق النجاة الفردية، وعندما جاء الامتحان، اختارت نفسها قبل الجميع.

وينقل الكاتب عن الصحفي السوري إبراهيم حميدي خلاصة معبّرة:

“لا يزال هناك من يؤمن بصدام حسين أو معمر القذافي، أما بشار الأسد، فلم يعد يؤمن به أحد ولا حتى أقرب الناس إليه”.

  • أحمد محمد العمر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top