إمراة جولانية في مخيمات النزوح

لا مجال للشك في حرص الجمهورية العربية السورية، ممثلةً بقيادتها، على حقنا الوطني في الجولان المحتل، وهذا ما بدا واضحاً في موقف سورية الرسمي من خلال الإحاطة الأخيرة الموفقة لمندوب سورية في مجلس الأمن الدولي، حيث تكلّم المندوب السوري “إبراهيم العلبي” بلغة واضحة لا تقبل التأويل، ووضع النقاط على الحروف في التأكيد على أهم وأخطر قضية وطنية سورية، وهي الجولان المحتل.

لا يحق لأحد أن ينكر على أهل الجولان، أصحاب الأرض المحتلة قسراً، أن يتساءلوا عن مصير حقهم في أرضهم المحتلة عام 67، لا سيما ونحن نعيش مرحلة مفصلية حساسة في عمر دولتنا الجديدة، ونعلم حجم الضغوط الهائلة التي تُمارَس على سوريا من قبل دولة الكيان الإسرائيلي الغاصب، بما يملكه هذا الكيان من قوة تأثير عالمية على مراكز صنع القرارات الدولية.

تأتي مشروعية رفع الصوت وأحقية التساؤل نتيجة التعتيم الكامل وسياسة الإلغاء التي كان يمارسها النظام البائد على أهل الجولان؛ فأغلب السوريين يجهلون الكثير مما حلّ بهذه البقعة العزيزة من أرض سورية، ولا يعلمون حجم التآمر على الجولان وأهله؛ فنظام العصابة البائد لم يكتفِ بالتآمر على أرض الجولان والتخلي عنها وتركها لقمة سائغة للكيان، بل استمر تآمره على أهل الجولان بعد أن فقدوا أرضهم وأصبحوا في أضعف حالاتهم بعد النزوح متفرقين على شتى بقاع الأرض السورية؛ فاستغل تشتتهم وفرقتهم، واتبع سياسة الإلغاء والإسكات والتكميم والتعتيم والإبعاد كلياً عن الخطاب الإعلامي والسياسي، حيث أصبحت قضية الجولان حكراً على سكان القرى الدرزية الأربع في هضبة الجولان.

عندما يتركز حديث السوريين وتساؤلاتهم عن الجولان، ويتكلمون عن مفاوضات تجري مع الكيان، وأن اتفاقات وشيكة من الممكن أن تُوقّع؛ فإن أحقية التساؤل والاستفسار لأكثر من مليون ونصف من أبناء الجولان المحتل ستكون حقاً أصيلاً مشروعاً وواجباً وطنياً مفروضاً.

هذا العدد الكبير من الجولانيين المشتت جغرافياً على أرض سورية، والذي عاش أصعب الظروف وأقساها منذ ثمانية وخمسين سنة، وهو مهدد بعيشه وسكناه، مهدد بإلغاء هويته، يحق له السؤال والاحتراز والترقب والحذر والاطلاع على مضمون أي اتفاق بشأن الجولان، وهذا لا يعني بالتأكيد تقليلاً للثقة بالحكومة السورية، بقدر ما هو مساندة لها وتحمل لجزء كبير من المسؤولية الجسيمة التي تقع على عاتقها أمام هذا الكيان الغاصب الذي تجاوز كل الحدود.

ثم إن هذه المخيمات والتجمعات المتناثرة على عموم الأرض السورية، هذه التجمعات التي بناها أهل الجولان بجهدهم وعرقهم، والتي تعاني الافتقار إلى أبسط مقومات الحياة، ألا يحق لها أيضاً أن تسأل عما ستؤول إليه أحوالها ومعيشتها ومستقبل أبنائها في قادم الأيام؟!

ولربما سمعنا من يقول: لماذا لم تتساءلوا أو تتكلموا ونسمع أصواتكم أيام النظام البائد؟ مثل هذا الكلام لا يُقال لمن وقف مع ثورة الحق والكرامة قولاً وفعلاً منذ ساعاتها الأولى عندما انطلقت في حوران، فكان أبناء الجولان وقوداً لأعظم ثورات التاريخ؛ فمن قدم الدماء وتحمل كل أصناف العذاب والتنكيل والتشرد، يحق له أن يسأل عن مصير أرضه المسلوبة منذ ثمانية وخمسين سنة، وحقوقه الوطنية والقانونية المشروعة، بعد أن تحول من مواطن يعيش على أرضه بعزة وكرامة إلى نازح يغالب ويصارع أبسط أسباب الحياة.

ثم إذا لم يتكلم أهل الجولان في هذا التوقيت، فمتى سيكون الكلام مجدياً؟!

منذ يوم التحرير بدأ الكيان الغاصب يمارس ابتزازه عبر التوغل فيما بقي من أرض الجولان بعد خط الفصل؛ هذا الابتزاز المقيت الذي جاء في أصعب الظروف التي تمر بها سورية بعد عقد ونصف من أحداث جسام أنهكت الدولة السورية وأرهقت شعبها؛ يعود الجولان وتعود محافظة القنيطرة لتتصدر واجهة الأحداث كأهم قضية وطنية سترسم ملامح مستقبل سورية القادم.

من هنا تأتي أهمية الحديث عن الجولان وضرورة أن يرفع الجولانيون، أهل الأرض، أصواتهم قبل غيرهم ليكونوا عوناً وسنداً للحكومة السورية في مفاوضاتها الجارية مع الكيان الإسرائيلي الغاصب، ولا شك أن صوتهم القوي المتناغم مع سياسة الدولة سيكون له الأثر الكبير في رفع الحرج وتخفيف الضغوط الهائلة على الدولة في هذا التوقيت الحساس.

هكذا سيساند أهل الجولان حكومتهم، ويقفون في ظهرها، ويشدون من أزرها، ويدعمون موقفها الثابت تجاه القضية الأهم، قضية الجولان؛ لقد وُضعت الأوراق كلها فوق الطاولة، فلا مجال للمواربة أو الإخفاء، ولا شك أن موضوعاً وطنياً كبيراً وحساساً كهذا يجب أن يتحمل مسؤوليته جميع السوريين.

إن الحديث عن الجولان ومعاناة أهله الصامتة طوال ما يقرب من ستين عاماً لا يُعد ترفاً سياسياً، بقدر ما يعني مسؤولية أخلاقية ووطنية كبيرة تعلو فوق السياسة القابلة للشد والجذب والمراوغة؛ كما أنها لا تُعد تدخلاً في الشأن السياسي للدولة؛ لأننا عند الحديث عن الجولان إنما نتحدث عن وجع ومعاناة جزء كبير من الشعب السوري يستحق أن يُلتفت إلى معاناته التفاتاً جدياً يعادل حجم الشقاء الذي تعرضوا له، والكبد والغبن الذي عايشوه طوال حكم الطواغيت الذين استبدوا بهم وتاجروا بمصيرهم ومصير الشعب السوري من خلال هذه القضية الوطنية.

بعد عقد قادم من الزمن، أو أكثر بقليل، لن تستطيع أن تعثر على الكثير من أبناء الجولان الأوائل الذين يتذكرون الأرض بتفاصيلها الدقيقة، وستكون الذاكرة الجولانية مسؤولية خطيرة في أعناقنا جميعاً، نحملها بكل أمانة لتصل إلى أجيالنا، ولتكون حاضرة في القلوب والعقول تماماً كأن النزوح حدث البارحة.

وإذا كان الجولان في لحظة من اللحظات القادمة سيصبح المحدد الأول لمستقبل سورية السياسي؛ فهل سيقبل أهل الجولان أن يُوقّع أي اتفاق أو سلام على حساب حقهم الأصيل في أرضهم المحتلة؟ حتى وإن كان الاتفاق سيقفز بسورية بين عشية وضحاها إلى مصاف الدول المتقدمة المزدهرة؛ هل سيرضى أهل الجولان أن تكون آلام السنين للنزوح والقهر مرة أخرى جسراً للعبور إلى أي مستقبل؟

عذراً للجميع، فقد نال أهل الجولان كفايتهم من العذاب والمعاناة، ولقد أصبح الالتفات إلى أحوالهم ضرورة ملحّة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top