فرقة غاردينيا

على مسرح دار الأوبرا بدمشق، ارتفعت أصوات نسائية تحمل عشر سنوات من التجربة، والعمل، والإصرار. كورال غاردينيا احتفل بعقد من عمره، لكن الاحتفال كان أبعد من رقم زمني؛ كان تتويجاً لمسار نسوي ثقافي تشكّل بالصوت، وتكرّس بالاستمرارية.

منذ انطلاقته عام 2016، وُلد غاردينيا من مبادرة نساء سوريات آمنّ بأن الغناء فعل حضور، وأن الصوت النسائي قادر على حمل الذاكرة، والهوية، والأسئلة المؤجلة. خلال هذه السنوات، لم تنفصل تجربة الكورال عن واقع المرأة السورية، بما تحمله من تحديات، وانكسارات، ومحاولات دائمة لإعادة تعريف الذات.

أمسية “سنظل نغني” أعادت الجمهور إلى البدايات، إلى لحظة التأسيس الأولى، حين غنّت النساء “تهويدة الفقمة” في حفل عام 2016. العودة إلى هذا العمل كان تأكيداً على أن المسار الذي بدأته مجموعة صغيرة من النساء استمر ونضج، وبقي وفياً لروحه الأولى.

اختيار أغاني الكرتون شكّل جسراً بين الأجيال، واستدعاءً لذاكرة مشتركة عاشتها النساء السوريات كما الرجال، لكن بأثر مختلف. فالأم، والأخت، والطفلة السابقة، كلّها كانت حاضرة في تلك اللحظة. “غريندايزر” و”القناص” و”ما أحلى أن نعيش” تحوّلت إلى مساحة تلاقٍ بين ما كان، وما لا يزال عالقاً في الوجدان.

في محطات أخرى من الحفل، قادت النساء التراث السوري بأصواتهن. من “زغاريد سورية” إلى وصلات اللاذقية والجزيرة، بدا الغناء وكأنه فعل حفظٍ واعٍ للهوية، تقوده نساء يشتبكن مع التراث بوصفه جزءاً من تكوينهن الشخصي والجماعي. إعادة توزيع الأغاني جاءت بروح تحترم الأصل، وتمنحه حياة جديدة من دون فصله عن جذوره.

حضور غادة حرب، مؤسسة الكورال، القادمة من كندا خصيصاً للمشاركة في هذه اللحظة، حمل دلالة خاصة. امرأة زرعت فكرة في دمشق، وغادرت، ثم عادت بعد عشر سنوات لتراها متجسدة على المسرح، تقودها نساء أخريات، وتستمر خارج حدود الجغرافيا.

بقيادة سفانة بقلة، تنقّل البرنامج بين المسرح الغنائي، والأعمال الإنسانية، والأغاني التي تلامس الوطن والحرية، وصولاً إلى “حلوة يا بلدي” في الختام. هناك، بدا الصوت النسائي واضحاً، صريحاً، وغير منفصل عن الواقع السوري بكل تعقيداته.

كورال غاردينيا تجربة نسوية ثقافية تشكّلت بالصوت، واستمرّت بالعمل الجماعي، وقدّمت نموذجاً للمرأة السورية القادرة على بناء مشروع فني طويل النفس، في زمنٍ لا يمنح النساء فرصاً سهلة. بعد عشر سنوات، ما زال الغناء مستمراً، تقوده نساء يعرفن جيداً لماذا يغنين، ولمن.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top