الفنانة دعاء البسطاطي

في زاوية هادئة من بازار “أيادٍ سورية” الخيري، لم يكن الزحام هو ما يلفت الانتباه، بل ذلك الصمت المختلف الذي يحيط بطاولة صغيرة ازدحمت فوقها لوحات زجاجية ملوّنة. هناك، كانت دعاء البسطاطي تجلس بهدوء، تبتسم للمارّين، وتترك لأعمالها مهمة الكلام عنها.

لم تكن اللوحات وحدها ما يجذب الزوار، بل الطريقة التي وُلدت بها. أقدام تحمل الريشة، ألوان تنساب فوق الزجاج، وحكاية إنسانة قررت منذ وقت طويل ألا تسمح لغياب ذراعيها بأن يكون العنوان الأول في قصتها.

وُلدت دعاء بلا ذراعين، لكن ذلك لم يكن يومًا مرادفًا للعجز في حياتها. منذ طفولتها، وجدت في الرسم مساحة للنجاة، مكانًا تضع فيه مشاعرها وأسئلتها وأحلامها الصغيرة. تعلّمت باكرًا كيف تُمسك الريشة بقدميها، لا كحلٍّ اضطراري، بل كوسيلة تعبير كاملة، طوّعتها حتى أصبحت جزءًا من هويتها الفنية.

في حديثها، لا تستعرض دعاء معاناتها، ولا تبحث عن تعاطف. تتحدث ببساطة عن الفن، عن الألوان، عن الزجاج الذي اختارته ليكون مادتها الأساسية. تقول إن شفافيته تشبه الروح، جميلة وصعبة في آن واحد. فالرسم على الزجاج لا يسمح بالخطأ، وكل ضربة ريشة يجب أن تكون محسوبة، تمامًا كما الحياة.

تخرجت دعاء من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، بعد أن تلقت تعليمها في مراكز متخصصة في المدرسة الواقعية. لكن دراستها الأكاديمية لم تكن سوى محطة في رحلة أطول من الصبر والمثابرة. طوّرت تقنيتها الخاصة في الرسم العكسي على الزجاج، وبدأت تشق طريقها بهدوء في عالم المعارض.

شاركت في معارض جماعية داخل سوريا وخارجها، من أوكرانيا إلى بريطانيا والأردن، وقدّمت معارض فردية تركت أثرًا واضحًا لدى الجمهور. في معرضها الأول عام 2018 في ثقافي كفرسوسة، عرضت 33 لوحة جسدت مشاهد من الطبيعة وحارات دمشق القديمة. وفي معرض “فتيات” عام 2020، اقتربت أكثر من الوجوه النسائية، من الضياع والأسئلة التي تعيشها المرأة في مجتمع مثقل بالظروف.

أما معرضها الأخير “رحلة عمر” عام 2023، فكان أشبه بسيرة إنسانية مرسومة. أطفال، شيوخ، تفاصيل عمر تتداخل على سطح الزجاج الصلب، وكأنها تحاول أن تستخرج الحنان من مادة قاسية، لتقول إن القسوة ليست قدرًا نهائيًا.

مشاركتها في بازار “أيادٍ سورية” لم تكن بحثًا عن بيع اللوحات فقط. كانت، كما تقول، فرصة للوصول إلى ناس لم يزوروا المعارض من قبل، ليشاهدوا التجربة عن قرب، وليفهموا أن الإبداع لا يحتاج جسدًا كاملًا بقدر ما يحتاج إرادة كاملة.

وسط ضجيج البازار، كانت دعاء مثالًا مختلفًا للإرادة السورية. لا خطاب بطولي، ولا شعارات، فقط حضور هادئ، وفن يفرض احترامه. نموذج لإنسانة رفضت أن تُختصر بصفة “إعاقة”، وأصرّت أن يُنادى عليها بما تريده فقط: فنانة.

حلم دعاء بسيط وواضح. أن تُرى أعمالها بوصفها أعمالًا فنية، لا بوصفها إنجازًا استثنائيًا لأنها رُسمت بقدمين. تؤمن أن الفن لا يُقاس بالأدوات، بل بالصدق، وأن الإبداع لا يعرف حدود الجسد، بل حدود الاستسلام.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top