أثار قرار فصل عشرات العاملين بعقود مؤقتة من مركز البحوث العلمية الزراعية بالقنيطرة، موجة غضب واسعة، وقد وُصف من قبل الموظفين المفصولين بأنه قرار تعسفي افتقر إلى أبسط معايير الشفافية والتقييم الوظيفي، وترك عشرات الأسر في مواجهة مباشرة مع المجهول، دون تبرير قانوني واضح أو آليات اعتراض معروفة.
القرار، الذي صدر عن إدارة المركز بعد عام واحد فقط من تعيين المديرة “ألفت نمر”، استند – وفق الصيغة الرسمية – إلى توصيف العاملين المفصولين كـ”فائض”، وهو توصيف يثير تساؤلات جوهرية حول معاييره وحدوده، خاصة في مؤسسة بحثية تعتمد أساسًا على الخبرات التراكمية والكوادر المتخصصة.
عقد مؤقت… لكن بلا أصول؟
يعترف العاملون أنفسهم بأن عقودهم مؤقتة، لكنهم يشددون على أن العقد المؤقت لا يعني الغياب الكامل للضوابط. فبحسب شهادات متطابقة لعدد من الموظفين الذين تحدثوا لموقع “مؤسسة جولان”، لم يُعرض عليهم أي تقييم مكتوب، ولم تُشكّل لجنة مختصة، ولم يُبلّغوا بأسباب الفصل، ولم يُمنحوا حق الاعتراض أو المراجعة.
أحد المفصولين، يبلغ من العمر 55 عاماً، قال إنه أمضى سنوات طويلة في خدمة المديرية ومراكزها الفرعية، وكان يتحمّل أحياناً تكاليف التنقل من ماله الخاص لضمان استمرار العمل، قبل أن يُفصل دون أي إخطار مسبق أو مساءلة مهنية. موظفة أخرى، أمضت ست سنوات بعقود متتالية داخل المركز، عُرفت بين زملائها بالكفاءة والالتزام، وجدت نفسها خارج العمل فجأة، بلا تفسير.
شهادات من الاعتصام: رواية واحدة بأصوات متعددة
خلال اعتصام نفذه عدد من المفصولين، أجرى مراسل “مؤسسة جولان” لقاءات مباشرة معهم. تقول السيدة “غصون صليبي”، وهي من المقبولين ضمن مسابقة رسمية عام 2019:
“تم فصلنا بشكل تعسفي دون النظر إلى الخبرات أو سنوات الخدمة، وكأن كل ما قدّمناه خلال السنوات الماضية لا قيمة له”.
أما السيدة رويدة شامخ علي، وهي أم لست بنات وولد، فتروي تجربة أكثر قسوة. تبلغ من العمر 52 عاماً، عملت سبع سنوات في المركز دون أن تُسجّل بحقها أي مخالفة، ولم تستنفد إجازاتها بسبب ضغط العمل. تقول إنها راجعت المديرة في مكتبها، لكنها قوبلت – بحسب روايتها – بالإهانة والطرد، وتعرضت للتهديد بالفصل قبل أن يُنفّذ القرار فعلياً. وتضيف أنها حاولت الوصول إلى وزارة الزراعة مرتين دون أن يُسمح لها بمقابلة الوزير.
“القرار مدعوم”… من يحمي من؟
وفق شهادات متعددة، كان الرد المتكرر على أي محاولة للسؤال أو الاعتراض: “القرار مدعوم، وهناك تواصل مباشر مع الوزير”. وهنا يبرز سؤال بالغ الخطورة:
إذا كان هذا الادعاء صحيحاً، فكيف تمر قرارات فصل جماعية دون رقابة أو لجان أو تقييمات؟
وإذا كان غير صحيح، فلماذا يُستخدم اسم الوزير لإسكات الموظفين ومنعهم من المطالبة بحقوقهم؟
بين خطاب الإصلاح وواقع التطبيق
تأتي هذه القضية في سياق أعلنت فيه الحكومة الجديدة، عقب استلامها المفاصل الإدارية قبل عام، نيتها معالجة الترهل الإداري، وإنهاء العقود الوهمية والتوظيف العشوائي الذي خلّفه النظام البائد. غير أن ما يطرحه موظفو مركز البحوث في القنيطرة يفتح باب الشك حول آليات التطبيق: هل تُنفّذ الإصلاحات وفق معايير مهنية دقيقة، أم تتحول إلى قرارات فردية تُغلف بشعارات تنظيمية؟
كلمة “فائض” وحدها لا تكفي. الفائض يحتاج إلى تعريف واضح، وأرقام دقيقة، ومعايير مكتوبة، وتقييمات موثّقة. دون ذلك، لا يكون القرار تنظيماً إدارياً، بل ممارسة شخصية محمية بغطاء إداري.
أسئلة بلا أجوبة
حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لم تُعلن إدارة المركز عن معايير الفصل، ولم تُنشر قوائم تقييم، وبين خطاب الدولة عن النزاهة والشفافية، وواقع موظفين وجدوا أنفسهم خارج العمل دون تفسير، تبقى القضية مفتوحة على سؤال أكبر:
هل ما جرى خطوة إصلاح، أم نموذج جديد لإقصاء صامت يعيد إنتاج الظلم بأدوات مختلفة؟
- محمد جابر






