طالبات في حلقة علم

في مطلع الثمانينات، وبينما كانت دمشق تعيش غليان الصدام بين النظام والإخوان المسلمين، كانت ثانوية “ساطع الحصري” بدمشق -التي تضم بنات أعرق العائلات- شاهدةً على تحول تاريخي قادته المربية والداعية أميرة جبريل. لم تكن جبريل مجرد معلمة للتربية الإسلامية، بل كانت شخصية آسرة بوعيها الاستثنائي، حيث قدمت للطالبات نموذجاً خارقاً للمرأة التي تدرك هدفها في البناء والتنمية، مما أحدث تغييراً ثورياً تجلى في انتشار الحجاب والوعي الديني المستقل، وهو ما واجهه النظام بقرار إيقافها عن التدريس.
أثار هذا القرار موجة احتجاجات ولم نكن حينها قد عرفنا قسوة النظام ولم نكن قد اختبرنا ما يمكن أن يصل إليه من طغيان، حيث طالبت الطالبات بإعادتها، ورفضن المدرسين الذين توالوا بعدها، فقابلت إدارة المدرسة هذا الإصرار بطرد إحدى وعشرين طالبة من طالبات الشهادة الثانوية لمدة أسبوع.. كنتُ واحدة منهن.. وتم التهديد بفصلنا نهائياً إن اعدنا الكرة، كان الأمر صادماً وقتها ..
ضجت دمشق بهذه الحادثة حتى دخلت المرجعيات الدينية على الخط، ليبرز حينها الوجه الأمني للبعث والعداء الواضح للإسلام و لأي مظهر إسلامي من خلال محاضرة ألقاها “هيثم سطايحي” عضو القيادة القطرية، وكان آنذاك طالباً في كلية العلوم السياسية، أمام الطالبات، محذراً من “القبيسيات” كدعامة للتيار الديني، ومشيراً إلى أميرة جبريل كأحد الأعمدة الرئيسية لهذا الحراك النسائي المنظم.

لقد رحلت المربية والداعية الفلسطينية الأصل، سورية المولد والممات، أميرة جبريل (1949 – 2026) بعد مسيرة حافلة جعلت منها أشهر وأهم داعيات المنتميات للشيخة منيرة قبيسي، واللاتي عُرفن بـ “القبيسيات”.
لم تكتفِ جبريل بنقل النصوص، بل برعت في كسر الصورة النمطية للمرأة المسلمة ، فصنعت جيلاً من النساء الملتزمات اللواتي لم يتوانين عن اقتحام أي مجال فيه نفع للناس؛ فبرز من طالباتها الطبيبات والجراحات، والمهندسات والمدرسات، وموظفات الإدارة المدنية، ليقدمن نموذجاً مجتمعياً عالي الجودة يزاوج بين الأصالة والمنطق العلمي.
تميز منهجها باتساق المبدأ والسلوك، حيث كانت تصل الليل بالنهار في العمل الدعوي تنشر مفاهم العقيدة السمحة والرصينة بإخلاص وصدق منحها قدرة استثنائية على تحويل الأفكار إلى مشاريع تنموية قائمة على الأرض. ورغم محاولات النظام السوري المستمرة لاحتراق هذا التيار أو توظيفه سياسياً عبر خلق مجموعات موازية، حافظت أميرة جبريل بصلابة على استقلالية دعوتها، ونأت بنفسها تماماً عن الإرث السياسي لعائلتها، حمايةً لرسالتها ولآلاف الأسر التي اعتمدت على مؤسساتها. رحلت أميرة جبريل بعد أن أثبتت أن القوة الناعمة للمرأة المتمكنة قادرة على تقديم نموذج حضاري شامخ، بعيداً عن الاستلاب السياسي أو التبعية التقليدية.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top