عندما تتجاوز التجارب الموسيقية البعد الجمالي الخالص، تتحوّل الموسيقى إلى مساحة للتأمل في الذاكرة والهوية، وإلى وسيلة لطرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان وتاريخه. ضمن هذا الإطار، تبرز تجربة المؤلف وعازف البيانو السوري الأميركي مالك جندلي، الذي سعى عبر أعماله إلى تقديم قراءة موسيقية معاصرة للتراث العربي، وتحويل القضايا الإنسانية إلى خطاب فني يخاطب الجمهور العالمي بلغة موسيقية كونية.
في مقابلة مع قناة العربية، تحدث جندلي عن رؤيته لدور الموسيقى، مؤكدًا أن هذا الفن لا يقتصر على الترفيه، بل يشكّل أداة تعبير ثقافي وإنساني قادرة على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية. واعتبر أن الموسيقى، بما تمتلكه من جماليات وقوة رمزية، قادرة على إيصال صوت الشعوب وتجاربها التاريخية، ولا سيما التجربة السورية التي شكّلت رافدًا أساسيًا في مشروعه الفني.
وتوقف جندلي عند واقع الموسيقى السمفونية في العالم العربي، مشيرًا إلى أن فرقة قطر الفلهارمونية تمثل اليوم تجربة رائدة على مستوى المنطقة، إلى جانب تطورات ملحوظة في مصر، وظهور فرق أوركسترا جديدة في السعودية والإمارات. ورأى أن هذه التحولات تعكس حراكًا ثقافيًا مهمًا، لكنه يحتاج إلى استمرارية ومؤسسات قادرة على احتضان الإنتاج السمفوني العربي ضمن رؤية ثقافية شاملة.
وأوضح جندلي أنه عمل خلال السنوات الماضية على إدماج علوم الموسيقى الغربية ونظريات الانسجام مع التراث الموسيقي العربي، في محاولة لإعادة تقديم هذا التراث ضمن قوالب سمفونية معاصرة. وأضاف أن لديه اليوم ثماني سمفونيات تسعى إلى مخاطبة العالم بلغة موسيقية عالمية، وتأكيد حضور الموسيقى العربية ضمن المشهد الكلاسيكي الدولي.
كما كشف عن إنجازه أوبرا كاملة من فصلين، كتبها ولحنها ووزعها وفق المعايير العالمية، بهدف طرح القضايا العربية والهوية الثقافية العربية على خشبات المسارح الدولية، مشيرًا إلى تسجيل هذا العمل في دار أوبرا تورنتو، وإلى أهمية انفتاح المؤسسات الثقافية العربية على هذه التجارب ودعمها.
وفي سياق متصل، أشار جندلي إلى مبادرته الموسيقية عام 2013 بإنتاج “نشيد سوريا – نشيد الأحرار” بالتعاون مع الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، بوصفها تجربة فنية توثيقية تعكس لحظة تاريخية مفصلية.
ويأتي هذا الحديث بالتزامن مع إعلان مؤسسة Steinway & Sons اختيار مالك جندلي فنان شتاينواي، ليكون أول فنان عربي أميركي ينضم إلى هذا البرنامج العريق، الذي يضم نخبة من أبرز عازفي ومؤلفي البيانو في تاريخ الموسيقى العالمية، في اعتراف دولي بمسيرته الفنية التي جمعت بين البحث الموسيقي والاشتغال الثقافي العابر للحدود.
- بثينة الخليل






