يعيش مخيم أبناء الجولان في محافظة درعا واقعاً متراكباً من الإهمال، يتجاوز كونه أزمة تعليمية عابرة، ليعكس غياباً واضحاً للتخطيط والمتابعة في واحد من أكثر الملفات حساسية، فمن مدارس مؤقتة متداعية، إلى نقص حاد في الكوادر والتجهيزات، وصولاً إلى بنية خدمية وشوارع مدمرة، تبدو العملية التعليمية في المخيم وكأنها تُترك لمواجهة ظروف لا تساعد حتى على الاستمرار.
غرف صفية مؤقتة تحولت إلى واقع دائم
تعتمد مدارس المخيم على غرف صفية مسبقة الصنع وُضعت كحل مؤقت، لكنها بقيت دون صيانة أو ترميم لسنوات، وبحسب معطيات المجتمع المحلي، يوجد:
– 8 غرف صفية ضمن ساحة مدرسة بنات الجولان
– 19 غرفة صفية ضمن ساحة مدرسة الشهيد حسين شلاش، التي تغير اسمها لاحقاً إلى مدرسة صلاح الدين الأيوبي
هذه الغرف تعاني من تهالك واضح، ولم تشهد أي أعمال صيانة حقيقية، ما يجعلها غير ملائمة من حيث السلامة والبيئة التعليمية، خاصة في ظل تزايد أعداد الطلبة.
اكتظاظ بالأرقام… لا بالوصف
تكشف الأرقام وحدها حجم الضغط الذي تعيشه هذه الغرف:
700 طالب وطالبة في المرحلة الابتدائية يتلقون تعليمهم داخل الغرف الصفية في ساحة مدرسة الشهيد حسين شلاش ” مدرسة صلاح الدين الايوبي”.
150 طالبة في المرحلة الإعدادية ضمن الغرف الصفية في ساحة مدرسة بنات الجولان.
أعداد كبيرة تُحشر في غرف مؤقتة متهالكة، دون مراعاة لشروط التعليم أو السلامة.
لا يقتصر الخلل التعليمي في مخيم أبناء الجولان على نقص الغرف الصفية والتجهيزات، بل يمتد إلى غياب مؤسسات تعليمية كاملة لبعض الفئات،
فبحسب المجتمع المحلي لموقع جولان، لا تتوفر في المخيم مدرسة للمرحلة الإعدادية للطلاب الذكور، ما يضطرهم إلى الخروج يومياً للدراسة في مدارس المحافظة خارج المخيم.
هذا الواقع يفرض أعباء إضافية على الطلاب وأسرهم، ويجعل الاستمرار في التعليم مرهوناً بقدرة العائلة على تحمّل مشقة الطريق وكلفه، في ظل شوارع مدمرة، وطرق طينية في الشتاء، وغياب وسائل نقل مهيأة.
وهو ما يفتح الباب أمام تسرب مدرسي محتمل، ويطرح تساؤلات جدية حول عدالة الوصول إلى التعليم، حين يُطلب من طالب في مخيم أن يقطع مسافة يومية فقط لأنه لا توجد مدرسة مخصصة له داخل منطقته.
نقص في جوهر العملية التعليمية
إلى جانب تردي الأبنية، يواجه المخيم نقصاً حاداً في أساسيات التعليم، يتمثل في: نقص الكوادر التعليمية، نقص المقاعد المدرسية والطاولات الصفية، نقص الكتب ووسائل التعليم، غياب مستلزمات تعليمية أساسية
وهو ما ينعكس مباشرة على جودة التعليم، ويضع الطلبة والمعلمين أمام واقع يفتقر لأبسط المقومات، ويُفرغ الحديث عن “تحسين العملية التعليمية” من أي مضمون فعلي.
مراسلات رسمية ووعود بلا تنفيذ
موقع جولان الإخباري تلقّى شكوى من أحد أعضاء المجتمع المحلي في المخيم “فضّل عدم الكشف عن اسمه”، أكد فيها أن الأهالي طرقوا أبواب محافظة درعا ومديرية التربية ومديرية المشاريع مراراً عبر كتب رسمية ومراسلات خطية، وكانت النتيجة “وعود دون نتيجة”، وبحجة أن “الميزانية لا تكفي”.
تبرير “الميزانية لا تكفي” قد يبدو مفهوماً في محافظة مثقلة بالاحتياجات، لكن السؤال الذي يطرحه أهالي المخيم بمرارة: كيف تُرمم مدارس عديدة في المحافظة، فيما يُترك مخيم كامل بمدارسه المؤقتة خارج الأولويات؟
هذا السؤال لا يأتي من فراغ. فالحملة التي رُوّج لها باعتبارها مشروعاً واسعاً لترميم المدارس والخدمات“أبشري حوران”تعلن ضمن تعريفها أنها تستهدف ترميم المدارس وتأهيل قطاعات خدمية أخرى، كما نُشرت أخبار رسمية عن اجتماعات لبحث خطط ترميم المدارس “المدرجة ضمن الحملة”.
لكن “وفق رواية المجتمع المحلي” فإن مدارس المخيم التي تعرضت لدمار كبير لم تُدرج ضمن الخطة أساساً بحجة حاجتها لميزانيات مرتفعة، ثم جرى الحديث عن بديل أقل كلفة: ترميم الغرف الصفية مسبقة الصنع، وحتى هذا البديل، لم يجد طريقه للتنفيذ.
زيارات ميدانية لم تغيّر الواقع
ورغم زيارة مدير تربية درعا، السيد محمد الكفري “أبو ثابت”، للغرف الصفية واطلاعه ميدانياً على حجم الضرر، وإطلاق وعود علنية بصيانتها، لم يلمس المجتمع المحلي أي خطوات تنفيذية على الأرض.
كما لم تُفضِ اللقاءات المتكررة من المجتمع المحلي في المخيم، مع السيد مهند الجهماني “نائب محافظ درعا” إلى نتائج عملية، لتبقى الوعود دون جدول زمني أو التزام واضح.
بنية خدمية تُضاعف الأزمة
لا يمكن فصل أزمة التعليم في المخيم عن الواقع الخدمي العام، الذي يزيد من صعوبة الوصول إلى المدارس والاستمرار فيها، إذ يعاني المخيم من نقص كبير في محولات الكهرباء، شبكة كهرباء قديمة ومهترئة، نقص حاد في أعمدة الإنارة، الاعتماد على شبكة مياه قديمة تعاني من الاهتراء.
إضافة إلى ذلك، تعاني شوارع المخيم من دمار واسع وحفر عميقة، في ظل غياب أي خطة واضحة لترميم الطرق أو إزالة البيوت المهددة بالانهيار أو رفع الأنقاض.
وتتحول هذه الشوارع في فصل الشتاء إلى طرق طينية موحلة، تجعل الوصول إلى المدارس مساراً شاقاً وخطراً، خاصة على الأطفال.
غياب المتابعة الرسمية
يشير المجتمع المحلي إلى أنه جرى تعيين المهندس شآس عبد الله عفاش رئيساً لبلدية الزوية في مخيم أبناء الجولان، إلا أن هذا التعيين بقي دون فاعلية حقيقية، في ظل غياب الدعم للبلدية وعدم متابعة الجهات الحكومية لأوضاع المخيم.
ولا تزال المشكلة الأبرز تتمثل في غياب مرجعية واضحة تتحمل المسؤولية الكاملة، ما يجعل المخيم عالقاً بين مؤسسات متعددة، دون قرار حاسم أو متابعة فعلية.
مبادرات محلية تسد فراغ الدولة
أمام هذا الغياب، أطلق أهالي مخيم أبناء الجولان حملة تبرعات محلية لتأمين جزء من الاحتياجات المدرسية، في ظل عزوف مديرية التربية عن القيام بواجباتها.
وفي تصريح خاص لموقع جولان، أكد أحد القائمين على الحملة، والذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أنه جرى جمع نحو 100 مليون ليرة سورية، صُرفت على شراء قرطاسية، وطاولات صفية، وطابعة، ووسائل تدفئة، فيما خُصص نحو 8 ملايين ليرة سورية لحفر خط مياه يخدم المخيم.
ورغم أهمية هذه الجهود، يؤكد القائمون عليها أنها غطّت جزءاً محدوداً من الحاجة، ولا يمكن أن تشكل بأي حال بديلاً دائماً عن دور المؤسسات الرسمية ومسؤولياتها.
إن ما يعانيه مخيم أبناء الجولان لا يمكن اختزاله بنقص الموارد فحسب، بل هو حصيلة سنوات من الإهمال وغياب الأولويات.
فالتعليم لا يمكن أن يستمر في غرف مؤقتة متهالكة، ولا عبر شوارع مدمرة، ولا في بيئة خدمية غير مؤهلة، ولا بالاعتماد على مبادرات أهلية تُترك لتسد فراغ الدولة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه أهالي المخيم دون إجابة واضحة حتى اليوم:
إلى متى سيبقى أبناؤهم يدرسون في ظروف استثنائية، وكأن هذا الواقع هو القاعدة لا الاستثناء؟
- محمد قنو






