منذ أن طُرحت فكرة “مجلس السلام” كإطار جديد للتعامل مع النزاعات الدولية، برز سؤال جوهري: هل يمكن لهذا المجلس أن يتحول إلى منظمة دولية فاعلة، وأن يشكل بديلاً أو مكملاً للأمم المتحدة في نشر السلام العالمي؟ تصريح وزير الخارجية الأمريكي الذي يؤكد أن المجلس ليس بديلاً عن الأمم المتحدة يعكس إدراكاً لحدود هذه المبادرة، لكنه يفتح الباب أمام نقاش عميق حول جدوى الفكرة، وأبعادها السياسية، ومآلاتها إذا قادها شخصيات مثيرة للجدل مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فكرة مجلس السلام: بين الطموح والوظيفة
مجلس السلام، في جوهره، يسعى إلى تقديم منصة جديدة لحل النزاعات بعيداً عن البيروقراطية الثقيلة التي تعاني منها الأمم المتحدة، حيث كثيراً ما تُشل قرارات مجلس الأمن بفعل حق النقض (الفيتو) أو تضارب مصالح القوى الكبرى. الفكرة تقوم على خلق آلية أكثر مرونة، تركز على الوساطة السريعة، وتقديم حلول عملية للنزاعات، وربما بناء تحالفات دولية خارج الإطار التقليدي للأمم المتحدة. لكن تحويله إلى منظمة دولية يتطلب اعترافاً واسعاً من الدول، وتمويلاً مستقراً، وآليات قانونية واضحة، وهو أمر ليس سهلاً في ظل تشابك المصالح الدولية.
وفي هذا السياق، أعلن مسؤول أمريكي أن الدفعة الأولى من الأعضاء المؤسسين لـ«مجلس السلام»، برئاسة الرئيس دونالد ترامب، قد وصلت إلى ست وعشرين دولة، في خطوة تهدف إلى إضفاء طابع دولي على المجلس الوليد. كما قام نيكولاي ميلادينوف، منسق مجلس السلام، بزيارة مركز التنسيق الأمريكي الدولي في «كريات غات» لمتابعة تنفيذ خطة ترامب لما بعد الحرب في غزة. هذه التطورات تكشف أن المجلس لا يقتصر على فكرة نظرية، بل يسعى إلى بناء حضور عملي على الأرض، مرتبط مباشرة بالسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ما يعزز التساؤلات حول مدى استقلاليته عن الإرادة الأمريكية، وما إذا كان سيصبح أداة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالح واشنطن أكثر مما يخدم فكرة السلام العالمي.
القيادة والرمزية: ترامب نموذجاً
إذا كان مجلس السلام سيقوده شخص مثل ترامب، فإن ذلك يطرح إشكالية مزدوجة. من جهة، ترامب يمتلك حضوراً سياسياً قوياً وقدرة على تحريك الرأي العام، لكنه من جهة أخرى يمثل نموذجاً للسياسة القائمة على المصالح القومية الضيقة، لا على المبادئ العالمية. تجربته السابقة في السياسة الخارجية أظهرت ميلاً إلى الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، وتفضيل الصفقات الثنائية على الحلول الجماعية. وهذا يثير الشكوك حول ما إذا كان مجلس السلام بقيادة ترامب سيعمل فعلاً على نشر السلام، أم أنه سيكون أداة لإعادة صياغة النظام الدولي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة أولاً.
ولا يضم مجلس السلام، الذي سيدير شؤون قطاع غزة، عضواً يمثل الفلسطينيين، فالرئيس الأمريكي لا يعترف بالدولة الفلسطينية. ولكنه يضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية للفلسطينيين في غزة. هذا الترتيب يفضح أن المجلس ليس أداة لنشر السلام بقدر ما هو أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية على القضية الفلسطينية، عبر إقصاء الطرف الأضعف وإعطاء الشرعية للطرف المتهم بارتكاب جرائم حرب. إن غياب التمثيل الفلسطيني يقوّض أي ادعاء بأن المجلس يسعى إلى تحقيق سلام عادل، ويحوّله إلى منصة لإدارة الصراع بما يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، لا مصالح الشعوب ولا مبادئ العدالة الدولية.
أمريكا وسياسة “السلام المناسب”
السياسة الأمريكية تاريخياً لم تكن داعمة للسلام بمعناه الشامل، بل للسلام الذي يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية. من كامب ديفيد إلى أوسلو، ومن غزو العراق إلى إدارة الملف الأفغاني، يتضح أن واشنطن تدعم حلولاً جزئية أو مشروطة، تضمن لها النفوذ والسيطرة، أكثر مما تدعم حلولاً عادلة ومستدامة. هذا النمط يجعل من أي مبادرة أمريكية في مجال “السلام” محاطة بالريبة، لأنها غالباً ما تُستخدم كغطاء لمشاريع الهيمنة أو إعادة ترتيب التوازنات بما يخدم واشنطن وحلفاءها.
هل يمكن لمجلس السلام أن ينجح؟
نجاح مجلس السلام كمنظمة دولية يتوقف على عدة عوامل: أولها مدى استقلاليته عن الإرادة الأمريكية، وثانيها قدرته على استقطاب دول من خارج محور الغرب، وثالثها توفير آليات قانونية ومالية تضمن استمراريته. إذا ظل المجلس مجرد أداة في يد واشنطن، فلن يكون سوى نسخة جديدة من سياسات “السلام الأمريكي”، أي السلام الذي يُفرض على الآخرين بما يخدم مصالح القوة العظمى. أما إذا استطاع أن يخلق توازناً حقيقياً، ويمنح صوتاً للدول الصغيرة والمتوسطة، فقد يشكل إضافة للنظام الدولي، لكنه لن يكون بديلاً عن الأمم المتحدة التي تظل المرجعية القانونية والسياسية الأوسع.
الخلاصة
مجلس السلام فكرة تحمل طموحاً لتجاوز عجز الأمم المتحدة، لكنها محفوفة بالمخاطر إذا ارتبطت بقيادة أحادية مثل ترامب، أو بقيت رهينة السياسة الأمريكية التي تدعم السلام المناسب لمصالحها لا السلام العادل للجميع. التحول إلى منظمة دولية يتطلب استقلالية، شرعية، وتوافقاً دولياً واسعاً، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل التوازنات الحالية. لذلك، يبقى المجلس مشروعاً سياسياً أكثر منه إطاراً حقيقياً لنشر السلام، ما لم يثبت قدرته على التحرر من الهيمنة الأمريكية، والالتزام بمبادئ العدالة والإنصاف في إدارة النزاعات.






