طفل يخرج من سجون قسد شمال شرق سوريا موقع تواصل

خرج الأطفال من بوابة سجن الأقطان شمال الرقة حفاة، مرتبكين، يلتفتون حولهم كأنهم يتأكدون أن المكان الذي تركوه خلفهم لن يبتلعهم من جديد. بعضهم ركض، بعضهم ضحك، وبعضهم وقف صامتًا لا يعرف كيف يتصرف خارج الأسوار. في تلك اللحظات الأولى بعد الإفراج، بدت الطفولة وكأنها تعود متأخرة، ومترددة.

يقع سجن الأقطان في الريف الشمالي لمدينة الرقة، وقد استُخدم خلال السنوات الماضية كمركز احتجاز على خلفيات أمنية، ولا سيما القضايا المصنفة ضمن “الإرهاب”. وخلال تلك الفترة، أُثيرت اتهامات متكررة بوجود أطفال ومراهقين دون سن الثامنة عشرة داخل السجن، محتجزين إلى جانب بالغين، وفي ظروف وُصفت لاحقًا بأنها قاسية وغير إنسانية.

مع فتح السجن مؤخرًا، أُفرج عن عشرات المحتجزين، بينهم عدد كبير من الأطفال والمراهقين، بعضهم لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، وفق ما أظهرته مقاطع مصورة وشهادات بثتها وسائل إعلام رسمية. أطفال من مواليد 2007 و2008، وآخرون بعمر 11 و13 عامًا، أمضوا أشهرًا في الاحتجاز بتهم أمنية ثقيلة قياسًا إلى أعمارهم.

في شهادة مصورة، روى فتى في الخامسة عشرة من عمره تفاصيل اعتقاله قرب دوار النعيم في مدينة الرقة، وكيف نُقل بين عدة مراكز قبل تحويله إلى سجن الأقطان. تحدث عن تحقيقات قاسية، وعن أيام قضاها في زنزانة انفرادية، بلا طعام كافٍ، وبلا ضوء شمس، وسط روائح خانقة وعزلة كاملة. وعند مثوله أمام ما سُمّي بـ“المحكمة والنيابة”، قال إن الجلسات اقتصرت على توجيه الاتهامات، قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن سبع سنوات، أنهى حلمه بإكمال تعليمه.

شهادات أخرى لأطفال مفرج عنهم أظهرت نمطًا متشابهًا. طفل في الثانية عشرة من عمره تحدث عن الضرب بالعصي، وعن تقديم خبز فاسد، وعن صب المياه الباردة، وما تركه ذلك من آثار جسدية. وفي مقاطع مصورة، ظهر أطفال حفاة، بعضهم دون ملابس مناسبة، تحدثوا عن زنازين انفرادية، وعن حرمان من الطعام لأيام، وعن خوف دائم لم يفارقهم.

وأكد مفرج عنهم وجود أطفال ومراهقين دون سن الثامنة عشرة داخل السجن، موزعين على مهاجع تضم فئات عمرية مختلفة، بعضهم محتجز بتهم مصنفة أمنية. وتحدث شبان عن أشقاء أو أقارب أُودعوا السجن في سن السابعة عشرة، فيما أشار آخرون إلى وجود أطفال أصغر سنًا.

ومن أكثر اللحظات قسوة، بحسب إحدى الشهادات، اقتحام المهاجع وإطلاق الرصاص في الهواء فوق رؤوس المحتجزين وهم تحت الأغطية، في مشهد ترك أثرًا نفسيًا عميقًا، خصوصًا على الأطفال. أما الساعات الأخيرة قبل الإفراج، فكانت مشبعة بالخوف والترقب، والقلق من نهاية مجهولة.

ثم فُتحت الأبواب.
المشهد الأخير لم يحتج إلى تفسير. أطفال يخرجون من السجن، يركضون بلا اتجاه، يضحكون، يصرخون، وطفل صغير يعدو فرحًا كأنه يحاول اللحاق بما تبقى من طفولته. صورة تختصر أسئلة كثيرة عن احتجاز الأطفال، وعن معنى العدالة، وعن الحد الفاصل بين الأمن وحقوق القاصرين.

تبقى هذه الشهادات، بما تحمله من تقاطع في التفاصيل، وثيقة إنسانية قبل أن تكون مادة خبرية. وجوه الأطفال الخارجين من السجن كافية لتذكيرنا بأن الطفولة لا ينبغي أن تكون موضع اتهام، وأن الزنزانة، مهما كانت مبرراتها، لا يمكن أن تكون مكانًا لطفل.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top