أطفال قُصَّر من سجن الأقطان في الرقة

في الحروب، لا يكون الأطفال مجرد شهود صامتين على المأساة، بل يتحولون – في كثير من الأحيان – إلى ضحايا مباشرون للصدمات النفسية لعالم لم يختاروه. وفي سوريا، حيث طالت آثار النزاع كل تفاصيل الحياة، تتجلى مأساة الأطفال المحتجزين في سجن الأقطان في محافظة الرقة، شمال شرقي سوريا، والذي كان تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قبل تسلّمه لاحقًا للحكومة السورية، كأحد أبرز الأمثلة على انتهاك الطفولة وحرمانها من الحماية النفسية الأساسية.

كباحثة وإعلامية تابعت ملفات الطفولة المتأثرة بالنزاع، أجد أن هذه القضية تتجاوز الأبعاد القانونية أو الإجرائية، لتكون اختبارًا حقيقيًا للأثر النفسي العميق للاحتجاز على الطفل.
الطفولة المحرومة من الأمان.

وجود الأطفال داخل مرافق احتجاز مصممة أساسًا للبالغين يشكل انتهاكًا صارخًا للطفولة وحقوقها النفسية كما نصت عليها اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة (CRC 1989، المادة 37)، التي تؤكد على أن الاحتجاز يجب أن يكون الملاذ الأخير ولأقصر مدة ممكنة، مع توفير بيئة منفصلة عن البالغين تركز على إعادة التأهيل والدعم النفسي.

في سجن الأقطان، يعاني الأطفال من الخوف المستمر، الانعزال، فقدان الشعور بالأمان، والانفصال عن الأسرة، مما يولد لديهم إجهادًا نفسيًا حادًا قد يمتد لسنوات طويلة، ويترك آثارًا عميقة على شخصياتهم ونموهم الاجتماعي والعاطفي.

آثار الاحتجاز النفسية الطويلة
تشير الدراسات الدولية إلى أن احتجاز الأطفال في بيئات غير ملائمة يولد اضطرابات نفسية مزمنة تشمل:
القلق والخوف المستمر، حتى في الحياة اليومية بعد الإفراج
الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، بما يشمل كوابيس واضطرابات النوم
فقدان الثقة بالآخرين والشعور بعدم الانتماء
صعوبات في الاندماج الاجتماعي وإعادة بناء العلاقات
هذه الآثار لا تمس الطفل فقط، بل تنعكس على الأسرة والمجتمع بأسره، ما يجعل حماية الأطفال من الاحتجاز مسألة نفسية واجتماعية وحقوقية في آن واحد.
الإفراج ليس نهاية الطريق

حتى بعد الإفراج، يحتاج الأطفال إلى:
دعم نفسي متخصص طويل المدى
إعادة دمج تعليمي واجتماعي تدريجي
احتضان أسري ومجتمعي واعٍ بالصدمات النفسية التي مروا بها
متابعة مستمرة لتجنب الانزلاق نحو العنف أو التهميش

الالتزام الدولي: إطار حماية نفسي
القوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الاختيارية الخاصة بالأطفال في النزاعات المسلحة، تؤكد أن الأطفال يجب أن يكونوا محور الحماية، وحقهم في السلامة النفسية والنمو العاطفي لا يقل أهمية عن حمايتهم من العنف الجسدي.

يبقى السؤال الأخلاقي:
كيف يمكن بناء مجتمع ما بعد النزاع إذا تجاهلنا حماية النفس والروح لأضعف حلقاته؟
ختامًا
قضية الأطفال في سجن الأقطان ليست مجرد حدث محلي، بل اختبار عالمي للأثر النفسي للاحتجاز على الطفولة. إن فهم ومعالجة هذه الصدمات هو استثمار في مستقبل المجتمع كله، فالطفل المنقذ اليوم هو المجتمع المتماسك غدًا.

  • د. تغاريد محمد الفواز

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top