في الوقت الذي تحاول فيه قوات سوريا الديمقراطية “قسد” تسويق نفسها كقوة “تحررية” و”ديمقراطية” تحمي المكوّنات وتدافع عن الحقوق، تتكشف على الأرض حقيقة مختلفة تمامًا، حقيقة دامغة لا يمكن إنكارها أو تبريرها: اختطاف الطفولة، تجنيد القاصرين، وفرض سلطة السلاح فوق القانون والمجتمع. هذه الممارسات لا تمثل انحرافًا عارضًا، بل تعكس نهجًا سلطويًا قمعيًا يضرب جوهر أي ادعاء بالشرعية. وفي مقابل هذا الواقع القاتم، جاء المرسوم رقم 13 ليشكّل نقطة تحوّل سياسية وقانونية بالغة الأهمية، باعتباره أول اعتراف صريح وشامل بحقوق الأكراد ضمن إطار الدولة السورية الواحدة، بعيدًا عن الميليشيات، وبمنطق القانون لا بمنطق الأمر الواقع.
قسد: مشروع مسلح بلا شرعية أخلاقية
لا يمكن توصيف ما تقوم به “قسد” بحق الأطفال إلا بوصفه جريمة مكتملة الأركان. أطفال يُنتزعون قسرًا من عائلاتهم، يُزجّ بهم في معسكرات عسكرية، ويُحرمون من التعليم والأمان والحياة الطبيعية. هذه ليست “أخطاء فردية”، بل سياسة ممنهجة تؤكدها عشرات الشهادات والتقارير. إن تجنيد الأطفال، تحت أي مسمى أو ذريعة، هو جريمة حرب وفق القانون الدولي، ووصمة عار لا يمكن محوها بالبيانات الإعلامية أو الاتفاقيات الشكلية. والأسوأ من ذلك أن “قسد” لم تكتفِ بانتهاك حقوق الأطفال، بل استهانت بعقول المجتمع عبر إنكار الوقائع أو تبريرها بذرائع أمنية واهية. كيف لقوة تدّعي الدفاع عن الحرية أن تبدأ مشروعها بكسر إرادة طفل؟ وكيف لمن يرفع شعار “الديمقراطية” أن يبني سلطته على الخطف والترهيب؟
سلاح فوق المجتمع ودولة داخل الدولة
تمارس “قسد” في مناطق سيطرتها نموذج حكم قسري قائم على التجنيد الإجباري، والاعتقال التعسفي، وتكميم الأصوات المعارضة. وهي لا تتردد في استخدام الأطفال كوقود لمشروعها، في سلوك يذكّر بأكثر التنظيمات تطرفًا، لا بقوة تدّعي الحداثة والانفتاح. إن هذه الممارسات كشفت أن «قسد» ليست حامية للمكوّن الكردي ولا ممثلة له، بل اختطفت القضية الكردية وحوّلتها إلى أداة لخدمة مشروع عسكري منفصل عن المجتمع، ومعادٍ لفكرة الدولة، وقائم على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
المرسوم 13: تصحيح تاريخي وشجاعة سياسية
في هذا السياق، يبرز المرسوم رقم 13 بوصفه خطوة تاريخية شجاعة تعيد القضية الكردية إلى مكانها الطبيعي داخل الدولة السورية وتحت مظلة القانون وبمنطق المواطنة المتساوية. لم يأتِ المرسوم من موقع ضعف أو مساومة، بل من إرادة سياسية واعية تهدف إلى طيّ صفحة طويلة من التهميش، والانتقال من منطق الإنكار إلى منطق الاعتراف، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الحلول. وقد أكد المرسوم بوضوح أن الأكراد مكوّن أصيل من الشعب السوري، وأن حقوقهم الثقافية واللغوية مصونة، وأن المواطنة هي الأساس لا العرق ولا السلاح، وأن الدولة هي الضامن الوحيد للحقوق لا الميليشيات. وهنا تكمن قوة المرسوم، إذ يسحب البساط من تحت أقدام المشاريع الانفصالية، ويؤكد أن الحقوق تُنتزع بالقانون لا عبر اختطاف الأطفال أو عسكرة المجتمع.
فضح الادعاء: من يخدم الأكراد فعلًا؟
إن مقارنة بسيطة بين ما تفعله “قسد” وما يقدّمه مرسوم 13 تكشف الحقيقة بلا لبس؛ فقسد تجنّد أطفال الأكراد وتزجّ بهم في الصراع، بينما يحميهم المرسوم بالقانون والدستور، وقسد تحكم بالسلاح والخوف، فيما يعيد المرسوم الاعتبار للدولة والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن المرسوم لا يمثل فقط خطوة حقوقية، بل ضربة سياسية مباشرة لمشروع قسد، لأنه يفضح زيف ادعائها بأنها المدافع الوحيد عن حقوق الأكراد.
الأطفال خط أحمر ومن يتجاوزه يسقط
إن أخطر ما ارتكبته “قسد” ليس فقط انتهاك حقوق الإنسان، بل كسر أحد أقدس الخطوط الحمراء: الطفولة. فالطفل ليس ملكًا لأي فصيل، ولا ورقة تفاوض، ولا أداة صراع، ومن يتجاوز هذا الخط يفقد تلقائيًا أي ادعاء بالأخلاق أو الشرعية. وفي هذا الإطار، يكتسب مرسوم 13 بعدًا أخلاقيًا إضافيًا، لأنه يؤكد أن الحقوق تُبنى على حماية الإنسان لا على استغلاله، وأن مستقبل الأكراد، كغيرهم من السوريين، لا يمكن أن يُبنى على جماجم الأطفال.
الدولة تنتصر حين يسقط وهم الميليشيا
بين مشروع ميليشياوي قائم على الخطف والتجنيد والقمع، ومشروع دولة يعترف بالحقوق ويصونها بالقانون، يكون الخيار واضحًا لكل من يملك الحد الأدنى من الضمير السياسي. لقد أسقطت “قسد” بنفسها كل أقنعتها حين اختارت أن تجعل من الأطفال وقودًا لسلاحها، بينما جاء المرسوم 13 ليؤكد أن الحقوق الحقيقية لا تحميها البنادق، بل الدولة. وحدها الدولة القادرة على حماية الأكراد، وحماية الأطفال، وحماية سوريا، أما من يختطف الطفولة فلا مستقبل له مهما رفع من شعارات. بقلم






