تدخل مدينة القامشلي أسبوعها الأول من تمديد وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا، لتتحول إلى ساحة تعكس تباين روايتين متقابلتين: رواية محلية ودولية تركّز على هشاشة التهدئة ومخاوف السكان، وأخرى رسمية ترى في الهدنة فرصة لإعادة بسط الأمن وترسيخ الاستقرار. هذا التناقض يضع المدينة في قلب اختبار سياسي وأمني، تتجاوز دلالاته الإطار المحلي لتمتد إلى المشهد السوري الأوسع.
التقارير الإعلامية الدولية، ومنها وكالة «رويترز»، تنقل عن سكان القامشلي شعوراً متزايداً بالقلق حيال مصير الهدنة. فذاكرة التجارب السابقة، حيث شهدت مناطق وأقليات سورية انهيار تفاهمات مشابهة، تدفع مجموعات أهلية إلى تنظيم دوريات ليلية بدافع الخوف من عودة التوترات. هذه الخطوات، رغم كونها تعبيراً عن هواجس مشروعة، تكشف في الوقت نفسه عن هشاشة الثقة بقدرة الأطراف المختلفة على ضمان استقرار طويل الأمد.
في المقابل، تؤكد الحكومة السورية أن وقف إطلاق النار يشكّل فرصة لإعادة بناء الاستقرار تحت مظلة السيادة ووحدة الأراضي السورية. وتشدد دمشق على أن حماية المدنيين لا تتحقق عبر مبادرات محلية مسلّحة، بل من خلال عودة مؤسسات الدولة وتفعيل مسارات الحوار الوطني. ومن منظورها، فإن أي ترتيبات أمنية خارج هذا الإطار من شأنها تهديد السلم الأهلي وتعميق الانقسام المجتمعي.
بين مخاوف الشارع وخطاب الدولة، تبدو الهدنة في القامشلي اختباراً لمعادلة دقيقة: تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي قادر على تبديد القلق الشعبي ومنع الانزلاق مجدداً نحو العنف. وفي هذا السياق، تراقب الأوساط السياسية عن كثب قدرة الأطراف المعنية على تجاوز المقاربات الأمنية الضيقة، والانخراط في رؤية أوسع تعالج جذور الأزمة وتعيد بناء الثقة داخل المجتمع المحلي.
وفي ظل هذا التوازن الهش، تبقى نتائج الهدنة مرهونة بمدى الالتزام العملي بها، وبقدرة الفاعلين على ترجمة الخطاب السياسي إلى إجراءات ملموسة تطمئن السكان. فإما أن تشكّل هذه المرحلة مدخلاً لاستقرار تدريجي يفتح الباب أمام حلول أعمق، أو أن تتحول إلى هدنة مؤقتة أخرى سرعان ما تتبدد أمام تعقيدات الواقع الميداني والسياسي.
- بلال محمد الشيخ






