في أرشيف التاريخ الإسرائيلي القذر، تقف خطة دافيد بن غوريون (1948-1953) كإطار استراتيجي متعدد الطبقات، كانت هذه الخطة رؤية لتفكيك البيئة العربية وتطويقها عبر تحالفات مع أقليات ومناطق هامشية. إحدى نقاطها المركزية نصت على: «محاولة إقامة كيانات مسيحية في لبنان، وكيان درزي في جبل العرب في سوريا، وكيان كردي في شمال العراق، وتعزيز الروابط مع الأقليات في المنطقة لخلق أحزمة أمنية غير عربية». اليوم، بينما تتراجع القوى العظمى عن أدوارها التقليدية، تعود هذه الأفكار لتطفو على السطح كسياق تفسيري لحركة المجتمعات المهمشة بحثاً عن البقاء.
قسد: الورقة الكردية بين التهميش والبحث عن حليف
في شمال شرق سوريا، تتحرك القوى الكردية ضمن حسابات بالغة الدقة. النداءات الموجهة نحو أطراف إقليمية ودولية تعكس مرحلة جديدة: مرحلة البحث عن حماية بعد انحسار الضمانات السابقة.
المشهد ليس عسكرياً صرفاً وإنما سياسي-وجودي، سياسي بالنسبة لقسد، ووجودي بالنسبة لقسد وكبار القادة من فلول النظام البائد. فأي تحالف سابق مهما كان قوياً سوف يأتي يوم ويفقد غطاءه ويترك فراغاً قد يملأه اندماجاً نتيجة الخوف، أو قد يؤدي إلى صراعاً مفتوح التوقيت وحاسم، والأيام القليلة المذكورة رمزياً (كمهلة) تعني أن الخيارات أصبحت ضيقة، والقرارات المصيرية تُتخذ في أروقة الاستخبارات وبعيداً عن العلن.
قسد من خلال البحث عن ضامن وفي لحظة انكشاف الرسائل الصادرة عن قيادات كردية خلال الأسابيع الأخيرة تعكس إدراكاً متقدماً بأن مرحلة كاملة تقترب من نهايتها. هذا التحول لم يتخذ شكل هزيمة عسكرية فقط، فهو تمثّل في انحسار المظلّة السياسية التي وفّرت الغطاء الكامل والدعم السخي طوال سنوات. ومع تقلّص الضمانات، باتت الخيارات محصورة بين الاندماج في ترتيبات مفروضة تميل كفتها للحكومة السورية أو الدخول في مسار صدام غير متكافئ سوف ينهيها حتماً. لذلك يبدو التلويح بطلب دعم إسرائيلي تعبيراً عن محاولة أخيرة لإعادة إدخال عنصر الردع إلى معادلة فقدت توازنها.
تركيا: بين الردع الاستباقي والحسابات الباردة
تعمل أنقرة على إدارة الخطر دون استعجال الصدام فهي تتعامل مع هذا المشهد بمنطق الدولة التي خبرت تحولات الشمال السوري خطوة بخطوة. أي انخراط إسرائيلي مكشوف في دعم قوى تعتبرها أنقرة امتداداً لتهديدها الداخلي سوف يُقرأ كتصعيد مباشر، لكن المقاربة التركية تميل إلى الاحتواء المسبق بدلاً من الرد الفوري. لدى أنقرة أدوات ضغط متعددة، من الجغرافيا إلى الاقتصاد إلى التفاهمات الدولية، ما يسمح لها بتأجيل المواجهة طالما بقيت التحركات ضمن هوامش يمكن ضبطها.
الكيان الصهيوني.. تجنب التورط
تل أبيب تتعامل مع الملف ببراغماتية صامتة. الدعم الاستخباري والسياسي المحدود قد يستمر، لكن دون تحول إلى التزام استراتيجي مفتوح. بن غوريون تحدث عن (تحالفات مع الأقليات) كأدوات لتعزيز الأمن الإسرائيلي الطويل الأمد، واليوم تواصل إسرائيل هذا النهج بحذر، مراقبةً ردود الفعل التركية، وحاسمةً أولوياتها في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
والحديث عن “ممر داوود” يتراجع من كونه مشروعاً تنفيذياً إلى كونه تصوراً نظرياً يُستدعى عند الحاجة، ويجمد عندما تتبدل الأولويات.
السويداء: جبل الدروز نموذجاً للتوازن الهش
في الجنوب السوري، حيث ذكرت خطة بن غوريون كياناً درزياً محتملاً، تعيش السويداء واقعاً معقداً وهشاً وتأمل من الكيان الصهيوني تنفيذ هذه الخطة أو تبنيها. والجميع يعلم ان السويداء ليس مجتمعاً متماسك نسبياً، ومحاطة بفراغ سياسي وأمني، تديره مرجعيات دينية واجتماعية وفلول النظام السابق تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف. من جهة تراهن على الحماية الخارجية المباشرة من الكيان الصهيوني، ومن جهة أخرى تحاول عدم الانزلاق إلى صراع داخلي لا تملك أدوات التحكم به مع السلطة. و يحوّل حلم إقامة جبل الباشان إلى عبء ومواجهة حتمية نتيجتها مضمونة للحكومة. وبذلك يكون المشهد في السويداء مؤشراً على مصير المناطق التي ترفض الانصهار في الدولة المركزية.
الخلاصة: من الأرشيف إلى أرض الواقع
ما نراه اليوم ليس تنفيذاً لخطة قديمة، ما نراه هو تفاعل طبيعي لمجتمعات شعرت بضعف الدولة المركزية وسعت لاستغلال الفرصة، فبدأت تبحث عن شكل جديد للبقاء. بن غوريون فهم مبكراً أن نقاط الضعف في النسيج الاجتماعي للدول العربية يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير. اليوم، في عصر الفراغ الاستراتيجي، تتحرك هذه المجتمعات بدافع الغريزة قبل الاستراتيجية.
ما يجري في الشمال الشرقي والجنوب السوري لا يشير إلى إعادة رسم خرائط فورية، وإنما يشير إلى مرحلة انتقالية تتقدّم فيها المجتمعات على حساب الدولة مؤقتاً. ففي مثل هذه اللحظات، تصبح الأفكار القديمة صالحة للاستخدام مجدداً، ليس لأنها صحيحة تاريخياً، لكن بسبب توافقها مع واقع هشّ يبحث عن ضامن.






