سوريون يرفعون علم بلادهم في ساحة الأمويين بدمشق

‏‏ينهض الوطن ويلمُّ شعثه من جديد، وتصحـو الشام على نهاية النفق المظلم، فقد طلع الفجر وحان وقت الاستيقاظ بعد حقبة من سنوات قاسية كانت كفيلة أن تهدَّ أركان أعظم الدول في العالم؛ لقد كثُرت الجراح وأمعن الطاعنون بغرس حرابهم في جسد هذا الوطن من الداخل والخارج، لكن الانكسار كان ممنوعاً على الشام. رغم كل الشدائد والآلام الكبيرة التي مرّت بسورية، وبعد أن خضعت مدة أكثر من نصف قرن لحكم أقذر طغمة عرفها التاريخ؛ تلك العائلة اللعينة التي لم تحكم سورية يوماً كجزء من شعبها، ولم تحكمها كمحتلٍّ غازٍ، بل حكم الوالد والولد من آل الأسد كأعداء حاقدين على الشام وأهلها؛ فمن ينظر الآن بعد أن انجلت الغمامة السوداء سيعلم يقيناً أنهم ما وصلوا إلى الحكم إلا بغفلة من التاريخ، لينفذوا مهمة خبيثة دنيئة، وهي تخريب الشام وإخراجها من مسرح التاريخ لعقود.

‏لقد عمل الأعداء على تفتيت السوريين من الداخل، واجتهدوا في صناعة الصراعات الداخلية سواء كانت طائفية أو عرقية أو مذهبية، وعملوا على تغذية هذه الصراعات والتناحرات بكل الجهود وعبر كل الوسائل، وقد كان وجود السلطة البائدة أكبر عامل في تأجيج هذه الفتن الطائفية والعرقية طيلة عقود خلت؛ فأصبحت سورية أكبر ساحة لتصفية الحسابات على المستوى الإقليمي والدولي، فقلما تجد دولة ليس لها وكلاء يعملون لصالحها على أرض سورية؛ وهكذا استطاعت القوى المعادية أن تُشغِل السوريين ببعضهم عبر الوكلاء -عائلة الأسد-، فلم يعد هناك أي تأثير لقوة الشعب السوري الذي أُنهِكت قوته وأُفرِغت طاقاته في الصراعات والنزاعات والخوف وتأمين ضرورات الحياة.

‏لم يحظَ الشعب السوري في عمر ثورته على مدى أربعة عشر سنة بمن يمدّ له يد العون ليخرج من أتون الإجرام الذي أرهق السوريين وأمعن فيهم قتلاً وسحلاً وتهجيراً وإذلالاً؛ لم يترك السوريون باباً إلا وطرقوه، لكن لا مجيب؛ وهذا ما زاد من صلف المجرمين الذين اقتنعوا أن البركان الذي انفجر بوجودهم بالأمس قد خمد، وأن هذه البلاد لن تقوم لها قائمة، وقد تعزّز هذا الشعور لدى الطاغية المريض بشار عندما رأى حالة اليأس التي بدأت تتسرّب إلى نفوس أبناء سورية المرهقة التي أعياها التعب، ونال منها التنكيل والإجرام، بينما يتفرج العالم ويكتفي بالتنظير والقلق.

‏لكن الثمن الكبير والتضحيات الجسام التي قدّمها الشعب السوري عبر ثورته اليتيمة لم يذهب هباءً، فقد آن الأوان أن يسقط الطاغية الذي نسي أن الشام عصيّة على الانكسار، وأن النار التي اشتعلت في صدور السوريين ما زالت مضطرمة، وها هي اليوم تحرق غرورهم وتدمّر مشروع سيطرتهم على هذا الشعب. لقد سقط الطاغية وسقط معه مشروع السيطرة على هذه الأمة.

‏لم يكن سقوط النظام السوري البائد حدثاً عادياً عابراً، بل كان نقطة تحوّل كبرى على مستوى العالم، فقد سقطت بسقوطه مقولات كثيرة كانت أشبه بالمسلّمات؛ لقد تبدّدت النظرة الدونية التي كان الغرب والشرق ينظرون بها إلى حال العرب والمسلمين في بلادنا.

‏ولقد بدأ العالم بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية يغيّر نظرته لهذه المنطقة، ويصحّح المفاهيم المغلوطة التي كانت سائدة لعهود طويلة، وقد باتت شعوب المنطقة تشعر بشيء من الاعتبار وإدراك الذات، وبدأ المارد العربي المسلم يتململ بعد أن غمر المنطقة شعور جميل بالعزّة والأنفة، بفضل انتصار الثورة السورية؛ التي أعطت درساً عملياً في إمكانية الخلاص من الاستبداد والانطلاق إلى آفاق جديدة في القوة والبناء، وقد كان درساً لكل شعوب المنطقة وحتى لحكّامها الذين بدؤوا يعدّلون سلوكهم ويتلمّسون الطرق القويمة في التعامل مع شعوبهم.

‏أمام هذا يصحّ لنا أن نقول إن الأمة اليوم أمام مشروع #رائد، إنه المشروع السوري الجديد أو (المشروع الأنموذج) لكل شعوب المنطقة بل والعالم؛ وهذا ما يؤكد حجم المسؤولية الجسيمة والعظيمة على كل القائمين على المشروع السوري الجديد شعباً وحكومةً وقيادةً. فالمنطقة والعالم يتطلعون اليوم إلى ما يمكن أن نسمّيه الدولة الجديدة الرائدة التي ستكون النموذج الأمثل للاقتداء بها والسير على نهجها.

‏هذا المارد الذي يقف على قدميه من جديد، إنها سورية الشام التي باتت تفرض على الجميع نمطاً جديداً من التعامل معها ومع كل المنطقة؛ فسورية اليوم غنيّة إلى حدٍّ كبير بشعبها العريق وكفاءاته المبدعة وطاقاته اللامحدودة، وغنيّة فوق هذا بقيادة استثنائية فريدة تبهر العالم في كل خطوة تتقدّم بها إلى الأمام.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top