تلقّت “مؤسسة “جولان الإعلامية” شكاوى متطابقة من عدد من الموظفين العاملين في مديرية زراعة القنيطرة، تتعلق بآلية صرف “وصل اللباس” الممنوح لموظفي الدولة، وما يرافقها – بحسب الشهادات – من ممارسات وصفها المشتكون بالاستغلالية، وتفتح الباب أمام شبهات فساد مالي وإداري.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها المؤسسة، فإن الدولة منحت موظفي المديرية وصلاً مالياً مخصصاً للباس بقيمة “988 ألف ليرة سورية” لكل موظف. غير أن هذا الوصل، وفق روايات الموظفين، لم يُصرف بصيغته الأصلية، بل جرى التعامل معه بآلية مختلفة فرضت عليهم خيارات محدودة، اعتبرها المشتكون “أمراً واقعاً”.
خيارات محدودة وخسارة مؤكدة
تتمحور الشكاوى حول وضع الموظفين أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما بيع وصل اللباس بقيمة تقل كثيراً عن قيمته الحقيقية، أو “إجبار” الموظف على استبدال الوصل بمواد تموينية.
تشير الشهادات إلى أن قيمة شراء الوصل من الموظف تراوحت بين (690 ألفاً و700 ألف ليرة سورية)، أي بخسارة تقارب 30% من قيمته الاسمية، بذريعة اقتطاع “نسبة” مرتبطة بالإجراءات أو اللجان، بحسب ما أُبلغ به الموظفون.
مواد تموينية بدل اللباس
أما الخيار الثاني، فيتمثل في استبدال الوصل بمواد تموينية مثل الزيت والسمن والحلاوة والشاي. إلا أن الموظفين يؤكدون أن هذه المواد كانت – في معظمها – رديئة الجودة، وبعضها “قديم أو غير صالح للاستهلاك المريح”، إضافة إلى كون أسعارها، وفق تقديرهم، أعلى من أسعار السوق.
ويقول أحد الموظفين، في شهادة حصلت عليها مؤسسة جولان وفضّل عدم ذكر اسمه:
“وصل اللباس قيمته 988 ألف ليرة بالضبط، لكن جابوا لنا مواد تموينية نوعيتها سيئة، زيت وسمنة وحلاوة… عينيك ما تشوف على الزيت ولا على الحلاوة. يا بتاخد هالبضاعة، يا بتبيع الوصل وبيشتروه منك بخسارة كبيرة”.
“وضع استغلالي” للموظفين
وتجمع الشكاوى الواردة على توصيف ما جرى بأنه استغلال مباشر لأوضاع الموظفين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث يجد الموظف نفسه مضطراً لقبول الخسارة، سواء عبر بيع الوصل بقيمة أقل، أو شراء مواد لا يحتاجها وبسعر أعلى من السوق.
ويضيف موظف آخر:
“نحنا خلصنا من مرحلة سابقة كنا نعتقد إنها انتهت، لكن للأسف عم نشوف ممارسات بتشبهها. بدل ما يكون الوصل دعم حقيقي للموظف، صار عبء وخسارة”.
شبهات فساد ولجان شراء
وتتوسع الشكاوى لتطال آلية الشراء نفسها، حيث يتحدث الموظفون عن شبهات فساد في لجان المشتريات، سواء من حيث اختيار الموردين أو نوعية البضائع أو تسعيرها، إضافة إلى ملاحقة بعض الموظفين الذين حاولوا الاعتراض أو رفض الآلية المفروضة.
ويعتبر المشتكون أن القضية لا تتعلق فقط بوصل لباس، بل بنهج إداري يحمّل الموظف الخسارة، ويحول الامتياز الوظيفي إلى مصدر ربح لجهات أخرى.
دعوة للرقابة والتفتيش
أمام هذه المعطيات، يطالب أصحاب الشكاوى التي تلقتها “مؤسسة جولان” الجهات الرقابية والتفتيشية المختصة بفتح تحقيق رسمي وشفاف في الملف، يشمل مديرية زراعة القنيطرة والمسؤولين عن صرف وصل اللباس، ولجان الشراء، وآلية تسعير المواد واستبدالها.
رد مديرية زراعة القنيطرة على ما ورد في التحقيق
التزاماً بالمعايير الصحفية التي تضمن حق الرد وإتاحة المجال لكافة الأطراف لعرض وجهة نظرها، تواصل مسؤول العلاقات العامة في “مؤسسة جولان” مع مديرية زراعة القنيطرة للاستفسار عمّا ورد من شكاوى ومعلومات ضمن هذا التحقيق. وفيما يلي الرد الرسمي الوارد من مدير الزراعة كما ورد دون أي تعديل.
أوضح مدير زراعة القنيطرة، المهندس “جمال محمد علي”، بخصوص ما أُثير حول وصل اللباس العمالي، أن قيمة وصل اللباس في المديرية خلال الأعوام السابقة لم تكن تتجاوز “خمسين ألف ليرة سورية”، مشيراً إلى أنه في العام الماضي لم يتم صرف وصل اللباس العمالي لأي موظف، ولم تُسجَّل حينها أي شكاوى رسمية بهذا الخصوص.
وبيّن أن الإدارة، منذ تسلمه مهامه، سعت إلى أن تكون قيمة اللباس العمالي نقدية مباشرة للموظفين، دون وسطاء أو متعهدين، إلا أن القوانين والأنظمة النافذة حالت دون تنفيذ ذلك الخيار.
وأضاف أن المديرية، وبالتعاون مع نقابة العمال في القنيطرة، تمكنت من رفع قيمة وصل اللباس العمالي إلى مبلغ وصفه بـ”الجيد” لجميع الموظفين، حيث تم الإعلان عن مناقصة رسمية، تقدّم إليها عدد من المتعهدين، ورست في النهاية على أحدهم وفق الأصول القانونية.
وأوضح أن المتعهد قام بتأمين اللباس والمواد الغذائية بناءً على رغبة الموظفين، مؤكداً أن المواد الغذائية المتوفرة هي من نوعية جيدة جداً ومن أفضل الأنواع الموجودة في السوق، وفق تعبيره، لافتاً إلى أن نحو 95% من الموظفين استلموا وصل اللباس وتم صرفه، في حين تبقى حوالي 5% فقط لم يستلموا الوصل.
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية مقارنة بالسوق، أرجع مدير الزراعة ذلك إلى إجراءات وصفها بالروتينية، مرتبطة بآلية حصول المتعهد على القيمة الإجمالية للوصل، ولا سيما طول الفترة الزمنية اللازمة لسحب المبالغ من المصرف بسبب محدودية سقف السحب.
وأشار إلى أن الزيادة السعرية، إن وُجدت، كانت بحدود 15 إلى 20 بالمئة فقط، ولعدد محدود من المواد، مؤكداً أن استلام غالبية الموظفين لوصل اللباس تم برضا تام، بحسب قوله.
وختم المهندس “جمال محمد” علي توضيحه بالتأكيد على أن مديرية زراعة القنيطرة عملت ضمن الأطر القانونية المعتمدة، وبما يحقق مصلحة الموظفين قدر الإمكان في ظل الظروف والإجراءات القائمة”.
وتؤكد “مؤسسة جولان”، التزامها بالمعايير المهنية، أنها تضع هذه المعطيات برسم الجهات المختصة، وأنّها نقلت الشكاوى والشهادات كما هي، وتؤكد استعدادها لنشر أي رد أو توضيح يصدر عن مديرية زراعة القنيطرة أو أي جهة رسمية معنية، بما يضمن حق الرد، ويخدم مبدأ الشفافية وحماية المال العام وحقوق الموظفين.
- فريق التحرير






