أعادت جولة الوفد الميداني للمديرية العامة للآثار والمتاحف في محافظة الرقة فتح ملف حماية التراث الثقافي في سوريا، ليس فقط من زاوية الأضرار المادية التي لحقت بالمواقع الأثرية، بل من حيث السياق السياسي الذي حَكَم إدارة هذا الملف خلال سنوات الحرب.
فالوفد الذي شكّلته المديرية عقب دخول الجيش العربي السوري إلى الرقة، وأجرى تقييماً سريعاً للمواقع الأثرية ومتحف الرقة الوطني، يتحرك في مشهد معقّد، حيث باتت الآثار السورية واحدة من أكثر الملفات التي خضعت للتوظيف السياسي وتضارب السرديات، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.
الآثار كأداة سيادية
منذ اندلاع النزاع، لم تُعامل المواقع الأثرية في سوريا بوصفها ممتلكات ثقافية إنسانية محايدة، بل جرى التعامل معها في كثير من الأحيان كأدوات سيادة ورموز شرعية. فكل جهة سيطرت على منطقة ما، سعت إلى تقديم نفسها كـ”حامٍ للتراث”، فيما ارتبط الوصول إلى المواقع الأثرية وإدارتها بالتحكم الأمني والعسكري أكثر من ارتباطه بالمعايير المهنية لحمايتها.
في الرقة تحديداً، انتقلت السيطرة على المدينة بين أطراف متعددة، ما انعكس مباشرة على وضع آثارها. فمرحلة تنظيم “داعش” شهدت تدميراً ممنهجاً لبعض المعالم، في مقابل استغلال مواقع أخرى لأغراض عسكرية أو دعائية. أما مرحلة سيطرة “قسد”، فقد رافقها خطاب مختلف حول حماية التراث، إلا أن محدودية الإمكانات، وغياب المرجعية الوطنية الموحدة، أبقيا المتاحف والمواقع الأثرية في حالة هشاشة قانونية وإدارية.
متحف الرقة… ذاكرة معلّقة
قرار إغلاق متحف الرقة الوطني وختمه بعد التأكد من سلامته يعكس مفارقة متكررة في المشهد السوري: حماية الذاكرة عبر تعطيلها. فالمتاحف التي تُغلق “احترازياً” غالباً ما تتحول إلى مساحات مجمّدة خارج التداول العام، في انتظار قرارات مركزية قد تتأخر سنوات، بينما تُترك المجتمعات المحلية خارج معادلة الوصول إلى تاريخها.
ويرى مختصون أن غياب الشفافية حول آليات الجرد، وإدارة القطع الأثرية في المناطق التي تغيّرت السيطرة عليها، يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الجانب الفني، لتطال مسألة الثقة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي، الذي لعب دوراً محورياً في حماية ما تبقى من مقتنيات المتحف خلال سنوات الفوضى.
بين الحماية والتوظيف
لا يمكن فصل التحركات الرسمية لحماية الآثار عن السياق السياسي الأوسع. فإعادة تفعيل حضور المديرية العامة للآثار والمتاحف في الرقة تحمل بعداً رمزياً يتعلق بإعادة بسط المرجعية المركزية على ملف التراث، بقدر ما تعكس حاجة فعلية لتوثيق الأضرار ووضع خطط ترميم مستقبلية.
لكن التجربة السورية خلال العقد الماضي تُظهر أن حماية الآثار غالباً ما تُستدعى في الخطاب الرسمي عند استعادة السيطرة، فيما يغيب هذا الملف أو يُهمّش في مراحل النزاع الساخن. وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت حماية التراث تُدار بوصفها التزاماً ثقافياً طويل الأمد، أم ورقة سياسية تُفعّل عند الحاجة.
التراث كحق عام لا كسردية سياسية
تمتلك الرقة، بما تحمله من إرث عباسي وإسلامي وتاريخي مرتبط بالفرات، قيمة تتجاوز الجغرافيا والسياسة. إلا أن إنقاذ هذا الإرث لا يتوقف على الجولات الميدانية أو البيانات الرسمية، بل يتطلب فصله عن الصراع على الشرعية، وإشراك المجتمع المحلي والأكاديميين المستقلين في إدارة هذا الملف، وضمان شفافية الوصول إلى المعلومات والقطع الأثرية.
في بلد تحوّل فيه التراث إلى ساحة صراع رمزي، تبقى حماية الآثار اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على التعامل مع الذاكرة بوصفها ملكاً عاماً، لا أداة خطاب أو تثبيت نفوذ.
- بثينة الخليل






