وأنت تتمشى في قلب القاهرة، بميدان طلعت حرب، لا بد أن تستوقفك عمارة فخمة تحتل زاوية استراتيجية تطل على الميدان، وشارع قصر النيل، وشارع صبري أبو علم. بواجهاتها المزخرفة وحضورها الطاغي، تبدو «عمارة صيدناوي» كأنها شاهد صامت على قرن كامل من التحولات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها العاصمة المصرية.
تشير المصادر التاريخية المتخصصة في توثيق عمارة وسط القاهرة – ومنها دراسات الجهاز القومي للتنسيق الحضاري وكتابات مؤرخي العمارة الحديثة – إلى أن العمارة شُيّدت عام 1925، وفق طراز زخرفي متأثر بالمدرسة الأوروبية، على يد مهندس معماري إيطالي، في زمن كانت فيه القاهرة حقلًا مفتوحًا للتجارب المعمارية الوافدة من إيطاليا وفرنسا، والتي امتزجت بالذائقة المحلية لتنتج هوية عمرانية فريدة.
تتكون العمارة من ستة طوابق، وتبلغ مساحتها نحو 1935 مترًا مربعًا، وكانت أحد الفروع البارزة لسلسلة «صيدناوي»، التي تحولت مع الوقت إلى اسم مرادف للتجارة الحديثة وبيع الملابس والمنتجات الاستهلاكية في مصر والعالم العربي.
من هو صيدناوي؟
تعود جذور الحكاية إلى عام 1856، حين وُلد سمعان صيدناوي في قرية صيدنايا، شرق دمشق، وهي قرية مسيحية عريقة، اشتُق منها لاحقًا اسم العائلة. نشأ سمعان وسط أسرة مسيحية تضم سبعة أبناء، في بيئة محافظة كان للدين والعادات الاجتماعية فيها أثر بالغ في تشكيل مصائر الأفراد.
في شبابه، عمل سمعان لدى تاجر سجاد، وأثبت أمانة وذكاء لافتين جعلا صاحب العمل يقرّبه منه. غير أن قصة حب جمعته بابنة التاجر انتهت بالرفض، بسبب اختلاف الديانة، في تجربة إنسانية مبكرة كشفت له حدود المجتمع وأحكامه الصارمة.
الهجرة القسرية وبداية الطريق
في عام 1878، غادر سمعان صيدناوي قريته متجهًا إلى القاهرة، في رحلة لم تكن اختيارًا حرًا بقدر ما كانت عقابًا عائليًا. فقد أُثيرت حفيظة والديه الدينية بعد فوزه بورقة يانصيب، وهو ما اعتبراه فعلًا آثمًا قد يجلب اللعنات على القرية، فكان الرحيل هو الحل.
في القاهرة، عمل سمعان مع عمه نيقولا صيدناوي في مجال التجارة. وبحسب ما تذكره مصادر تاريخ التجارة الشامية في مصر، فقد أظهر سمعان كفاءة ومهارة دفعت عمه إلى تشجيعه على الاستقلال. وبمساعدة محدودة، افتتح محلًا صغيرًا للخردوات في منطقة الحمزاوي بالأزهر.
لم يكن المحل لافتًا في حجمه، لكنه سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بفضل ما عُرف عن صاحبه من صدق وأمانة، ليصبح مقصدًا للتجار والزبائن من مختلف أحياء القاهرة.
من الحمزاوي إلى الموسكي: التوسع الطبيعي
لاحقًا، انضم سليم صيدناوي، الشقيق الأكبر، إلى سمعان، ليشكلا معًا ثنائيًا تجاريًا ناجحًا. ومع اتساع النشاط، لم تعد مساحة المحل الصغير تفي بالغرض، فانتقلا إلى عقار أوسع في ميدان الخازندار بمنطقة الموسكي، الذي سرعان ما أصبح واحدًا من أكبر المتاجر في القاهرة.
وفي عام 1913، دشّن الشقيقان صرحًا تجاريًا ومعماريًا ضخمًا، بلغت مساحته 8530 مترًا مربعًا، وارتفع أربعة طوابق، خُصص لبيع المنسوجات والمنتجات المصرية الصنع، في خطوة عكست وعيًا مبكرًا بأهمية دعم الصناعة المحلية، وهي سياسة سبقت زمنها.
إمبراطورية تجارية عابرة للمدن
توالى بعد ذلك افتتاح الفروع في القاهرة والإسكندرية والمنصورة وطنطا، ثم في عدد كبير من محافظات مصر، لتتحول «صيدناوي» إلى واحدة من أوسع سلاسل المتاجر انتشارًا في البلاد. وتؤكد وثائق وزارة قطاع الأعمال العام أن عدد فروع الشركة بلغ لاحقًا 71 فرعًا، منها 59 فرعًا مستأجرًا و21 فرعًا مملوكًا.
حقيقة الانتماء الديني
على عكس ما شاع في بعض الروايات غير الدقيقة، يقال إن عائلة صيدناوي أسرة مسيحية سورية، وليست يهودية. وهي واحدة من عشرات العائلات الشامية التي هاجرت إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأسهمت بدور محوري في تطوير التجارة والصناعة والثقافة الحضرية.
التأميم وتحول الدور
مع قرارات التأميم في ستينيات القرن الماضي، آلت محلات صيدناوي إلى الدولة، وتحولت إلى شركة مساهمة مصرية، تابعة للشركة القابضة للتجارة، ثم لاحقًا للشركة القابضة للسياحة والفنادق والسينما. وبلغ رأس مالها نحو 6.5 مليون جنيه مصري، موزعة على 6.5 مليون سهم، وفق البيانات الرسمية.
قيمة معمارية موثقة
القيمة الفنية والتاريخية للمبنى الرئيسي في ميدان الخازندار دفعت الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، التابع لوزارة الثقافة، إلى تسجيله ضمن قائمة المباني ذات القيمة التاريخية المميزة، باعتباره نموذجًا نادرًا لعمارة المتاجر الكبرى في القاهرة الحديثة.
زمن واحد وتجربة مشتركة
ولا تختلف قصة «صيدناوي» كثيرًا عن تجربة «بنزايون»، التي أسسها الشقيقان إميلي وداود عدس، إذ تنتمي التجربتان إلى السياق نفسه: هجرة شامية، وطموح فردي، ومدينة مفتوحة على الفرص، شكّلت معًا ملامح اقتصاد حضري حديث.
عمارة تحكي الإنسان
هكذا، تقف عمارة صيدناوي في ميدان طلعت حرب كنص مفتوح يروي سيرة إنسان هاجر قسرًا، وعمل بصمت، وراكم نجاحه حجرًا فوق حجر، لتصبح حكايته جزءًا من ذاكرة القاهرة، وملمحًا أساسيًا من ملامح تاريخها الاجتماعي والاقتصادي.
- بثينة الخليل






