رجم الهري في الجولان المحتل

في قلب الجولان السوري المحتل، يقف موقع رجم الهري كأحد أعظم ألغاز العصر البرونزي. هذا الصرح الحجري الضخم، الذي يعود إلى نحو 3250 قبل الميلاد، يثير أسئلة لا تنتهي حول وظيفته، ودلالاته الحضارية، وعلاقته بالسماء والنجوم. إن مجرد النظر إلى هذا البناء الحجري الهائل يضعنا أمام تحدي فهم كيف استطاع الإنسان القديم أن يشيد صرحا بهذه الضخامة والدقة، وما هي الغاية التي أراد تحقيقها من خلاله.

الوصف الأثري والفرضيات
يقع رجم الهري في مركز الجولان الأدنى، على بعد ستة عشر كيلومتراً شرق الشاطئ الشمالي لبحيرة طبرية، في أعلى وادي الدالية، بارتفاع يصل إلى خمسمئة وخمسة عشر مترًا عن سطح البحر. يتألف الموقع من أكمة مركزية تحيط بها خمسة جدران متحدة المركز، يبلغ قطر الجدار الخارجي نحو مئة وخمسة وخمسين متراً وارتفاعه يقارب المترين. وقد أحضر البناؤون ما يقارب اثنين وأربعين ألف طن من الحجارة البازلتية لصنع هذا النصب، ليكون واحداً من أروع الصروح الحجرية في شرق المتوسط. ويرى علماء الآثار أن المساحتين الأكثر وضوحاً في الموقع تعودان إلى العصر البرونزي الأول والمتأخر.

تعددت التفسيرات حول وظيفة هذا الموقع، فالبعض اعتبره مركزًا احتفالياً مرتبطاً بطقوس جماعية، فيما رأى آخرون أنه قد يكون سياجاً دفاعياً أو مخزناً أساسياً كبيراً. وهناك من رجّح أن يكون مكاناً للدفن أو مقبرة جماعية، بينما ذهب فريق آخر إلى اعتباره مركزًا للرصد الفلكي وأداة لتقويم الزمن. هذا التنوع في الفرضيات يعكس الغموض الذي يحيط بالموقع، ويؤكد أن وظيفته لم تكن بسيطة أو أحادية، بل ربما جمعت بين أكثر من دور في حياة المجتمعات القديمة.

رجم الهري وعلم الفلك القديم
أهمية رجم الهري لا تقتصر على ضخامته المعمارية، بل تمتد إلى علاقته بعلم الفلك القديم. فقد درس البروفيسور “أنتوني أفيني” من جامعة كولغيت الأمريكية الموقع وعدّه أحد أهم المراكز في العالم لفهم علاقة أسلافنا بالسماء والنجوم في عصور ما قبل التاريخ. وقد خصص فصلًا كاملًا في كتابه People and the Sky: Our Ancestors and the Cosmos الصادر عام 2008 لدراسة رجم الهري، واضعًا إياه على قدم المساواة مع ستونهنج البريطانية، حضارات المايا والأزتك، والأهرامات المصرية.

توصل أفيني إلى نتائج مفاجئة حول علاقة هذا الصرح العملاق بالنجوم، معتبرًا أن تصميمه يتضمن معطيات فلكية دقيقة مرتبطة بحركة الكواكب والنجوم. فقد أظهرت الدراسات أن تخطيطات الموقع تعود إلى حوالي 3500 قبل الميلاد، مع هامش خطأ لا يتجاوز درجة واحدة، وهو ما يعكس دقة مذهلة في رصد الظواهر السماوية. ومن أبرز هذه التخطيطات ما يشير إلى الانقلاب الصيفي في حزيران عبر محور البوابة الشمالية الشرقية، وما يرتبط بالاعتدالين الربيعي والخريفي عبر صخرتين ضخمتين في القسم الشرقي تُعرفان باسم “أحجار الاعتدال”. أما البوابة الجنوبية الشرقية فقد أثارت جدلًا أكبر، إذ أظهرت القياسات انحرافًا بمقدار عشرين درجة عن نقطة غياب الشمس في أقصى الجنوب، ما جعل الباحثين يرجحون أنها قد تكون مرتبطة بمكان ذي أهمية تاريخية أو ثقافية، يحاكي تقاليد الصلاة أو التوجه نحو مكان مقدس، دون أن نعرف على وجه اليقين طبيعة هذا التقليد.

أهمية الموقع ودلالاته الحضارية
إن رجم الهري يكشف عن تطور المعرفة الفلكية لدى الإنسان القديم، وقدرته على دمج العلم بالطقس والروحانية في آن واحد. فهو ليس مجرد بناء حجري ضخم، بل شاهد على أن المجتمعات القديمة كانت تمتلك أدوات فكرية وعلمية متقدمة، سمحت لها بقراءة السماء وتوظيفها في حياتها اليومية وطقوسها الدينية. ولهذا يضعه الباحثون في مصافّ المواقع العالمية الكبرى مثل ستونهنج والأهرامات، باعتباره شاهدًا على علاقة الإنسان بالسماء منذ آلاف السنين.

وجود هذا الموقع في الجولان المحتل يذكّرنا بأن هذه الأرض ليست مجرد موقع جغرافي، بل ذاكرة حضارية وإنسانية يجب الحفاظ عليها. إن محاولات طمس الهوية التاريخية للجولان تصطدم بشواهد كهذه، التي تؤكد أن الأرض سورية الهوية والانتماء، وأنها كانت وما زالت مركزًا للعلم والروحانية.

خاتمة
رجم الهري ليس مجرد أحجار متراكمة، بل هو لغز حضاري وفلكي يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن أرض الجولان كانت وما زالت مركزًا للعلم والروحانية. إن دراسة هذا الموقع وحمايته واجب علمي ووطني، لأنه يفتح أبوابًا لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بالكون، ويثبت أن سورية الجديدة تحمل إرثًا حضاريًا لا يمكن محوه.

  • أ. بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top