لا يمكن قراءة هزيمة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب بوصفها تطوراً عسكرياً محلياً أو انتكاسة تكتيكية عابرة، بل هي محطة استراتيجية تكشف تحولات أعمق في موازين القوى داخل سوريا، وفي موقع “قسد” ضمن شبكة الصراعات الإقليمية والدولية المعقدة.
فالحدث، في جوهره، يعكس نهاية نموذج كامل من “التعايش القسري” داخل المدن الكبرى، وبداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة تمركز النفوذ، لا سيما في ظل تراجع هوامش المناورة أمام الفاعلين غير الدوليين.
أولاً: البعد الاستراتيجي لسقوط آخر جيب لقسد في حلب
مثّلت الأشرفية والشيخ مقصود قيمة استراتيجية مضاعفة لقسد. فإلى جانب رمزيتهما السياسية، شكّل الحيّان:
نقطة ضغط داخل عمق حضري تسيطر عليه الدولة السورية. و ورقة تفاوضية في أي حوار مستقبلي مع دمشق. ونافذة لإثبات قدرة قسد على إدارة مناطق مختلطة إثنياً داخل مدينة كبرى.
سقوط هذا الجيب يعني عملياً أن قسد خسرت قدرتها على العمل داخل “المراكز الحضرية الثقيلة”، ما يحصر نفوذها في مناطق طرفية تعتمد أساساً على معادلات دولية وإقليمية أكثر من اعتمادها على شرعية داخلية مستقرة.
ثانياً: الدولة السورية وحسم معركة المدينة
من منظور استراتيجي، تنظر دمشق إلى المدن الكبرى بوصفها خطوطاً حمراء. فالتجربة السورية منذ عام 2011 أثبتت أن السيطرة على المدن تعني السيطرة على الاقتصاد والشرعية والرمزية السياسية.
استعادة الشيخ مقصود والأشرفية تعني: إغلاق آخر ثغرة سيادية داخل حلب. وتعزيز صورة الدولة بوصفها اللاعب الوحيد القادر على فرض الأمن داخل المدن. كذلك إرسال رسالة واضحة مفادها أن أي ترتيبات “استثنائية” خارج سلطة الدولة هي ترتيبات مؤقتة وليست قابلة للاستدامة.
لكن في المقابل، يضع هذا الحسم الدولة أمام معادلة دقيقة: فالإدارة الأمنية الصلبة وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، بل قد تتحول إلى عامل توتير إذا لم تُرفق بخطاب سياسي احتوائي وإجراءات اقتصادية واجتماعية سريعة.
ثالثاً: قسد بين الانكشاف الاستراتيجي وتراجع الخيارات
الهزيمة في حلب كشفت ما يمكن وصفه بـ”الانكشاف الاستراتيجي” لقسد. فالقوة التي بنت نفوذها على: الدعم الخارجي، والفراغ السيادي، والتوازنات المؤقتة، وجدت نفسها عاجزة عن الصمود عندما تغيّرت البيئة السياسية والعسكرية. اليوم، تبدو خيارات قسد محدودة:
التحول إلى قوة دفاعية بحتة تركز على حماية مناطق سيطرتها الحالية. والعودة إلى طاولة التفاوض مع دمشق ولكن من موقع أضعف، وبسقف مطالب أقل. الرهان مجدداً على الخارج، وهو خيار محفوف بالمخاطر في ظل تقلّب أولويات القوى الدولية.
في جميع السيناريوهات، لم تعد قسد قادرة على فرض وقائع جديدة داخل المدن الكبرى، وهو ما يقلّص طموحاتها السياسية على المدى المتوسط.
رابعاً: الأكراد السوريون… الخاسر الأكبر؟
من المهم التمييز بين قسد بوصفها تنظيماً عسكرياً سياسياً، وبين الأكراد السوريين بوصفهم مكوّناً اجتماعياً ووطنياً. فالهزيمة العسكرية لقسد لا تعني بالضرورة هزيمة المطالب الكردية، لكنها تطرح سؤالاً حساساً حول من يمثّل هذه المطالب وكيف. استراتيجياً، تكمن خطورة المرحلة في:
ربط الوجود الكردي بمصير تنظيم عسكري واحد. أو التعامل مع الملف الكردي من زاوية أمنية فقط. وأي مقاربة لا تفصل بين الأمرين قد تؤدي إلى إنتاج توترات جديدة، حتى بعد انتهاء المعارك.
خامساً: الرسائل الإقليمية والدولية
إقليمياً، يحمل ما جرى في حلب رسالة واضحة مفادها أن خرائط النفوذ داخل سوريا ليست ثابتة، وأن القوى المحلية المرتبطة بدعم خارجي قد تجد نفسها وحيدة عند تبدّل الأولويات.
أما دولياً، فإن تراجع قسد داخل المدن قد يدفع القوى الداعمة لها إلى إعادة تقييم دورها: هل هي شريك مؤقت لمهام محددة، أم كيان سياسي قابل للاستمرار؟
حتى الآن، تشير المعطيات إلى السيناريو الأول أكثر من الثاني.
خاتمة: ما بعد الحسم… معركة إدارة السلام
هزيمة قسد في الأشرفية والشيخ مقصود تمثل نهاية مرحلة من التوازنات الهشة، لكنها لا تمثل نهاية الصراع على شكل الدولة السورية ومستقبل إدارتها للتنوع.
استراتيجياً، فإن المعركة الحقيقية تبدأ الآن: هل تستطيع الدولة تحويل النصر العسكري إلى استقرار مستدام؟ وهل تتجه قسد إلى مراجعة واقعية لمشروعها؟
أم أن الفراغ السياسي سيعيد إنتاج التوتر بأشكال مختلفة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لن تتحدد في حلب وحدها، بل في مجمل الشمال السوري، حيث تُعاد صياغة المعادلة بين القوة، والسياسة، والمجتمع.






