في عالم السياسة المثير، لا أحد يحب الاعتراف بالحقيقة كما هي، فالدول لا تتحرّك بدافع الأخلاق والمبادئ والنية الحسنة، ولا تتوقف طويلاً عند سرديات الضحية ومع من الحق.. ما يحكم السياسة، في جوهرها، هو المصلحة: كيف تُعرّف، وكيف تُدار، ومتى يُضحّى بها، ومتى يُقاتَل من أجلها. وسوريا، خلال السنوات القليلة الماضية، كانت مسرحاً مثالياً لفهم هذه القاعدة القاسية.
الجولان كمرآة للمصالح المتشابكة
في الخمس عشرة سنة الماضية، تحولت سوريا من دولة ذات سيادة إلى رقعة شطرنج كبرى، حيث تتقاطع مصالح القوى العالمية والإقليمية وتتصادم فيها. ولكن بين كل هذه الخطط والمؤامرات، يبرز ملف الجولان كمركز ثقل يختصر الدراما السورية كلها: أرض محتلة، ونظام سابق تركها ورقةً خاسرة، وحكومة حاليّة تحاول استعادة ما فُقد قبل أن تفقد ما تبقّى. لكن الجولان اليوم ليس مجرد قضية استعادة أرض ٍ محتلة.. إنه مرآة تكشف كيف تتحوّل الأرض المحتلة إلى ذريعة دائمة لإبقاء الدولة ضعيفة ومقسّمة.
لقد ورثت الحكومة السورية الحالية ملفاً أشبه بجثة هامدة، مجمّدة بفعل التوازنات القديمة التي انهارت، ومتشبّثة بما تبقّى من خطوط ما قبل سقوط أسد. لكن السؤال الحقيقي الذي يواجه الحكومة اليوم ليس فيما إذا كانت سوف تستطيع إعادة الجولان، وإنما كيف سوف تتعامل مع حقيقة أن إسرائيل تريد أمناً بلا دولة سورية قوية، وأن أطرافاً إقليمية تريد سوريا مفككة لتسهيل السيطرة، وأطرافاً أخرى دولية تريدها ضعيفة كي تبقى ساحة نفوذ مفتوحة.
محور الصراع: إيران وإسرائيل.. عدوان يتقاسمان الهدف!
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الكلام صادماً، لكنه في الحقيقة واقعي:
إيران وإسرائيل، رغم العداء المعلن، تلتقي مصالحهما عند نقطة واحدة: هي إضعاف الدولة السورية الموحدة. إيران وإسرائيل تتصارعان علناً عبر الصواريخ والتحريض، لكنهما تلتقيان عند نقطة واحدة عميقة: منع قيام دولة سورية موحّدة وقوية ومستقلة. إيران تريد سوريا غير مستقرة كي تبقى ساحة نفوذ، وإسرائيل تريد أمناً بلا مركز قوي في جوارها. والنتيجة؟ السوري هو من يدفع الثمن: شعب ممزق، وجغرافيا مبتورة، وسياسة خارجية مرهونة لحسابات الآخرين.
مع الأسف هذا واقعاً ملموساً: الدعم الإيراني للنظام السابق لم يكن كما نعلم جميعا من أجل “المقاومة”، وإنما لتحويل سوريا إلى عمق إستراتيجي تدفع من خلاله فواتير صراعاتها. بينما الضربات الإسرائيلية المتكررة لم تهدف فقط إلى إضعاف الوجود الإيراني، كانت تهدف إلى تأكيد شيء واحد هو: أن سوريا لن تعود كما كانت: دولة ذات جيش قوي وسيادة كاملة. فالتقاطع هنا مصلحي بحت: كلاهما يريد سوريا “مساحة” له.
والمفارقة الأكبر؟ إيران نفسها تخسر:
خسرت في سوريا و خسرت في لبنان وخسرت في العراق حيث أسست لنفوذ بلا استقرار، و من ثم خسرت في الداخل الإيراني، حيث الشارع يسأل: ماذا جنينا من كل هذا إلا مزيداً من الانهيارات المتتالية؟ إذن، المصالح التي لا تعود على شعوبها بالنفع، تتحول إلى عبء داخلي يسحق من يحكم.
لبنان: درس قريب لمن يعتبر
لبنان لم يَسقُط بين ليلة وضحاها. لبنان سقط عندما اختلّت مصالحه العربية، وصودرت دولته لصالح ميليشيات تبعياتها خارجية، وتحوّل من بلد إلى ساحة حرب بالوكالة. اليوم، تقف سوريا أمام السؤال نفسه: هل ستكون دولة ذات مصالح متوازنة، تتعامل مع الجميع دون أن يبتلعها أحد؟ أم سوف تضل ساحة صراع تُدفع الدماء السورية ثمناً لتوازنات الآخرين؟
السعودية، التي كانت الداعم التقليدي للبنان، خسرت مكانها عندما تراجع دورها لصالح النفوذ الإيراني المتصاعد. النتيجة؟ لبنان دولة منهارة، شعب غارق في الفقر، وطبقة سياسية مشلولة تماماً. والسؤال المصيري هنا، هل تريد سوريا أن تسير على الطريق نفسه؟
قسد والفلول: أدوات تحرق عندما تنتهي صلاحيتها
في شمال شرق سوريا، تُختصر لعبة المصالح بأبشع صورها:
الملف الكردي ليس ملفاً أخلاقياً ولا أيديولوجياً: واشنطن ترى في “قسد” أداة نفوذ وضبط إيقاع. ودمشق ترى ملف قسد ملف سيادة لا يمكن تركه مفتوحاً. وأنقرة تعتبره تهديداً وجودياً. قسد، تجد نفسها اليوم بين مطرقة تركيا وسندان أمريكا. واشنطن، التي ترفع العقوبات وتتحدث عن الاستقرار ومساعدة الحكومة السورية لتكون قوية، هي نفسها التي تجعل من قسد عقبة في طريق إعادة توحيد سوريا. لماذا؟ لأن سوريا الموحدة المستقرة لا تخدم مصالحها ومصالح الكيان الأزرق في إبقاء المنطقة ممزقة، وفي إبقاء تركيا مشغولة بتهديدات أمنية داخلية.
والفلول التي تدعمها إيران؟ هم أيضاً أدوات في اللعبة الكبرى: يُستخدمون اليوم لتحقيق مكاسب تكتيكية، وغداً.. وان طال المدى سيُترَكون أو يُحرَقون عندما تتغير معادلة الحسابات. وهذه هي القاعدة في لعبة المصالح: لا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة..
تحولات القوى: كيف أعادت تركيا وروسيا والصين وإيران حساب مصالحهم في سوريا؟
بتحليل الواقع نجد أن تركيا، التي دخلت سوريا بخطاب دعم المعارضة وإسقاط النظام، خسرت الكثير في البداية: اقتصادياً، وسياسياً، وأمنياً. لكنها اليوم، بعد أن غيّرت حساباتها، أصبحت أحد أكبر الرابحين: سيطرت على مناطق حدودية، وفرضت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه، وحتى بدأت بمفاوضات مع النظام الذي كانت تريد إسقاطه. لكن مرونة اللعب بالمصالح ومهاراتها العالية بلعبة الركمجة اثناء معركة اسقاط النظام جعلها تربح ما خسره الآخرون لاحقاً.. الدرس؟ من يفهم المصالح ويغيّر أدواته في الوقت المناسب، هو من ينجو ويربح.
روسيا: التي دخلت كمنقذ للنظام بالظاهر كانت ترى في سوريا اخر موطئ قدم استراتيجي لها في المياه الدافئة، نجحت في الحفاظ على وجودها العسكري والدبلوماسي، لكنها تدفع ثمن تشابك مصالحها مع إيران ومواجهتها مع الغرب.
والصين، كانت الحاضر الغائب الذي لم يخسر شيئاً.. لعبت اللعبة الأذكى: لم تتورط عسكرياً، ولم تقاطع سياسياً، ولم تخسر اقتصادياً. انتظرت وراقبت وتركت الآخرين يستنزفون أنفسهم. كانت تبحث عن بيئة مستقرة للنفوذ الاقتصادي لاحقاً. وهي اليوم في موقع يسمح لها بالدخول بلا أثمان سياسية ثقيلة
إيران: رأت في سوريا حلقة وصل وجسر عبور حيوي إلى لبنان وامتداداً جغرافياً ولاعباً إقليمياً. وخسارتها تشكل تهديداً استراتيجياً مباشراً لهلالها الشيعي. وبسبب حماقتها خسرت كل شيء بلحظة وانقلب السحر على الساحر، ومع مرور الوقت تحوّل الاستثمار الإيراني إلى نزيف: كلفة عسكرية بلا أفق سياسي. وعداء إقليمي متصاعد. وضغط أميركي مباشر وغير مباشر. وبنهاية المطاف وجدت نفسها مكشوفة بلا غطاء كاف.
كيف نجنب أنفسنا دفع الثمن؟
الجواب بسيط جداً يكمن في عدم الاصطفاف الأعمى خلف هذا المحور أو ذاك وبِ:
1- فهم قواعد اللعبة: فالمصالح الدولية لا تعترف بالعواطف ولا بالوفاء ولا بالقيم ولا حتى بالثوابت. من لا يفهم ذلك سوف يدعس تحت الأقدام بعد استخدامه.
2- الخطأ الأكبر الذي ارتكبه السوريون نخبةً وجمهوراً هو الاعتقاد أن العالم يتحرّك بدافع العدالة. و هذا خطأً جسيماً هو يتحرّك فقط عندما تلتقي مصالحه، ويتراجع عندما ترتفع الكلفة. الدولة التي لا تفهم مصالح الآخرين، ولا تُعرّف مصلحتها بوضوح، تتحوّل إلى ملعب للمصالح ومحرومة من أن تكون لاعباً على أرضها.
وسوريا اليوم أمام مفترق مختلف: إما أن تدخل لعبة المصالح بوعي وبراغماتية أو تبقى ملفاً على طاولة الآخرين.
3- بناء مصالح حقيقية مع من يريد دولة: ليست كل القوى تريد تدمير سوريا. بعضها يريد شركاء مستقرّين. علينا أن نعرف من هو الذي يريد شراكة حقيقية ومن ثم نبني معه تحالفات متوازنة.
4- عدم التورّط في حروب تُدار من الخارج: كل معركة داخلية اليوم هي جزء من صراع أكبر. المشاركة فيها يعني دفع الدم السوري ثمناً لأجندات غير سورية.
مستقبل قريب: ضغوط متزايدة وأوراق تُكشف
المستقبل القريب لا يبشر بالهدوء. الضغوط على الحكومة السورية سوف تزداد: بين مطالب تركيا بضرب قسد، ورغبة أمريكا في إبقاء الأمر الواقع القائم، وإصرار إيران من تحت لتحت على الحفاظ على نفوذها، ورفض إسرائيل لأي تفاوض جاد حول الجولان إلا بشروطها هي. سوريا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتعلم فن إدارة المصالح المتوازنة، وإما أن تُعاد كتابة جغرافيتها وسياساتها بأيدي غيرها.
ويبقى الجولان الاختبار الأكبر: هل سوف نستطيع تحويله من ورقة خاسرة إلى ورقة ضغط؟ أم سوف نسمح له بأن يبقى الذريعة الدائمة لتمزقنا؟ في النهاية، السياسة لعبة قاسية وسوريا كانت ضحية سوء إدارة المصالح لعقود. من لا يفهم المصالح، يدفع ثمنها. سوريا بعد كل هذا الدمار وهذه الأثمان الباهظة، إما أن تتعلم الآن، أو تُكتَب نهايتها بأحرف من دم ودموع.






