تُعدّ المعارضة السياسية أحد أعمدة الحياة العامة في أي دولة تسعى إلى الاستقرار والتوازن، فهي ليست بالضرورة حالة صدامية، ولا موقفاً عدائياً دائماً، بل قد تكون أداة تصويب، أو وسيلة حماية للمسار الوطني من الانحراف. غير أن التجربة السياسية، وخصوصاً في مراحل ما بعد الثورات والتحولات الكبرى، أفرزت أنماطاً متعددة من المعارضة، تختلف في دوافعها وأدواتها وأهدافها. ويمكن تصنيف هذه المعارضة، في واقعنا الحالي، إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
النوع الأول: معارضة الفلول وأجندات الخارج
وهي معارضة مرتبطة ببقايا النظام البائد وأذرعه، أو مرتهنة لأجندات خارجية، وهدفها الأساس تشويه صورة حكومة الثورة، عبر التركيز الممنهج على السلبيات، وتضخيمها بعدسة مكبّرة، وتجاهل أي إنجاز مهما كان حجمه أو أثره.
تعتمد هذه المعارضة خطاباً تحريضياً فظّاً، يفتقر إلى الأخلاق السياسية، وتوجّه سهامها بشكل خاص نحو رئيس الجمهورية السيد أحمد الشرع، فتتعمد الإساءة لشخصه، وتشويه صورته، ونعته باسمه الثوري، في محاولة للنيل من رمزية الموقع ومن شرعية المرحلة.
وهي في جوهرها نسخة كربونية عن المعارضة الشكلية التي صنعها النظام البائد وزرعها داخل الثورة نفسها، تلك التي كانت تُكثر من شتم النظام كهيكل، دون أن تجرؤ يوماً على المساس ببشار الفار بكلمة واحدة، ما يكشف زيفها ووظيفتها الحقيقية.
النوع الثاني: معارضة المكوعين (المعارضة البذنجانية)
وهذا النوع من المعارضة يتلوّن بحسب موازين القوة، ويميل حيث تميل الكفة الراجحة. وظيفته الأساسية التخدير، وتحريف الحقائق، وتجميل الواقع الزائف.
كانت هذه الفئة بالأمس جزءاً من منظومة النظام البائد، واليوم “كوعت” والتحقت بالعهد الجديد دون مراجعة أو اعتراف أو موقف أخلاقي. وغالباً ما تنشغل بتشويه المعارضة الثورية الحقيقية، تزلفاً للسلطة وسعياً لمصالح ضيقة.
وتُستخدم هذه المعارضة عادة كأداة بيد السلطات، لأنها بلا كرامة سياسية، سهلة التوجيه، سريعة التسويق، ويمكن التخلص منها في أي لحظة، إذ إنها لا تمتلك موقفاً ولا جذوراً ولا قاعدة أخلاقية تحميها.
النوع الثالث: المعارضة الوطنية المدنية
وهي المعارضة الأهم والأشرف، لأنها وُلدت من رحم الثورة، وانتقلت من العمل الثوري إلى العمل المدني الوطني، محافظة على جوهرها القيمي دون انزلاق إلى الفوضى أو العنف.
وتتميّز هذه المعارضة عن غيرها بأمرين أساسيين:
أولاً، أنها لا تمس مقام الرئاسة ولا شخص الرئيس بسوء، باعتباره رمزاً لكل سوري ثائر، وقد جاء بتوافق ثوري في هذه المرحلة الدقيقة. فالمساس به هو مساس بالثورة ذاتها، بغضّ النظر عن ماضي الرئيس أو موقعه السابق.
ثانياً، أنها لا تلجأ إلى السلاح في عملها السياسي، لأن استخدام القوة يخرجها من مفهوم المعارضة إلى حالة التمرد، كما تفعل ميليشيات الفلول.
غير أن ما يمنح هذه المعارضة قيمتها الحقيقية هو أنها ما زالت تحمل بذور الثورة والكرامة، ولا تعرف الانحناء أمام الخطأ. فهي لا تسكت عن التجاوزات، ولا تصمت على الانحرافات، بل تحتج وتنتقد وتطالب بالتصويب، كي لا يستشري الخطأ في جسد الدولة كالسرطان.
هذا النوع من المعارضة هو الوقاية والترياق، للوطن أولاً، وللسلطة قبل أن يتفاقم المرض ويصعب علاجه. ومن الخطأ القاتل أن تتجاهل السلطة هذه المعارضة أو تحاول تهميشها، بل الواجب تأطيرها، وفتح قنوات حقيقية معها، لأنها المرآة الصادقة للواقع، وجهاز الإنذار المبكر، أو ما يشبه “جهاز ريختر” الذي يرصد الاهتزازات قبل أي انفجار شعبي. فأين موقعك من هذه الأنواع الثلاثة؟






