بعد شهرين من الصمت والجمود، تعود المفاوضات بين سورية وإسرائيل إلى الواجهة عبر اجتماع مرتقب في باريس يجمع وفدين من الطرفين.
اختيار العاصمة الفرنسية ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس رغبة في أن تكون أوروبا منصة محايدة لإعادة فتح الحوار بعيداً عن الضغوط المباشرة من القوى الكبرى. ومع ذلك، فإن التباين بين المواقف السورية والإسرائيلية يضع الاجتماع أمام اختبار صعب، حيث يصر كل طرف على خطوطه الحمراء وشروطه الأساسية.
إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، تدخل الاجتماع وهي متمسكة بمكاسبها الميدانية الأخيرة. فقد أعلن بوضوح أن الانسحاب من الأراضي التي احتلت بعد الثامن من ديسمبر غير وارد، وأن أي وجود أمني أو عسكري سوري في المناطق الحساسة مرفوض. كما يضع قمة جبل الشيخ في خانة المواقع الاستراتيجية التي لا يمكن التفريط بها، متذرعًا بحماية “الدروز السوريون” كغطاء إنساني–أمني لتبرير استمرار السيطرة.
هذه المواقف تكشف عن رغبة إسرائيل في تحويل الوقائع العسكرية إلى أوراق تفاوضية يصعب التراجع عنها، وهو ما يضع سقفاً عالياً أمام أي محاولة للتسوية.
في المقابل، دمشق تدخل الاجتماع وهي متمسكة بالشرعية الدولية وبالعودة إلى اتفاقية السبعينات “أو إتفاقية تشبهها” التي أرست قواعد فصل القوات وضمنت استقراراً نسبياً في الجنوب لعقود.
الحكومة السورية ترى أن الانسحاب من المناطق المحتلة مؤخراً شرط لا يمكن تجاوزه، وأن قمة جبل الشيخ جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية. كما تؤكد على ضرورة وجود الجيش والأمن في الجنوب ودخول المؤسسات الحكومية، باعتبار ذلك الضمانة الوحيدة لعودة الحياة الطبيعية وفرض سلطة الدولة. هذه الشروط تعكس إصرار دمشق على استعادة كامل السيادة وعدم القبول بأي ترتيبات تنتقص من حضورها الرسمي.
المشهد يزداد تعقيداً مع دخول العامل الأمريكي. فالانفتاح الأخير لواشنطن على سورية يطرح تساؤلات حول مدى تأثيره على الموقف الإسرائيلي. البعض يرى أن الولايات المتحدة قد تستخدم هذا الانفتاح كورقة ضغط على تل أبيب لإعادة ترتيب الجنوب السوري بما يخدم مصالحها الإقليمية، فيما تراهن دمشق على أن أي تسوية جدية تحتاج إلى غطاء دولي وأن واشنطن وحدها قادرة على كبح المماطلة الإسرائيلية إذا أرادت. لكن يبقى السؤال مفتوحاً؟ حول مدى جدية الإدارة الأمريكية في تحويل هذا الانفتاح إلى خطوات عملية، أم أنه مجرد ورقة ظرفية تستخدمها في لعبة التوازنات.
إلى جانب ذلك، تطرح فكرة الضمانات الدولية كمدخل محتمل لتقريب المواقف. الحديث يدور عن التزام متبادل بعدم الاعتداء بين الطرفين، وعن إمكانية نشر قوات أممية في مناطق التماس لتعزيز الثقة ومنع الانزلاق إلى مواجهات جديدة. غير أن هذه الضمانات، مهما بدت منطقية، تحتاج إلى قبول سياسي من الطرفين، وهو ما لم يتضح بعد في ظل تصلب المواقف.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل سيكون اجتماع باريس جدياً وقابلاً للتطبيق، أم أنه مجرد محطة جديدة في سلسلة طويلة من اللقاءات التي تنتهي عند حدود التصريحات؟ دمشق تؤكد أنها لن تقبل بأي مماطلة جديدة، وأن أي اتفاق لا يضمن الانسحاب الكامل وعودة السيادة سيُعتبر مرفوضاً.
أما إسرائيل، فتمضي في سياسة تثبيت الأمر الواقع. وبين هذين الموقفين، يقف الاجتماع كاختبار لإرادة الأطراف وقدرتها على تجاوز الحسابات الضيقة نحو تسوية تفتح الباب أمام استقرار الجنوب السوري، أو يعيد المنطقة إلى دائرة المراوحة التي خبرتها طويلاً.






