العنف ضد الأطفال مؤسسة جولان

في أحياء دمشق وريفها، وبين البيوت المتواضعة التي تهتز يوميًا تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يعيش الأطفال لحظات صعبة لا يعرفها كثيرون. بعيدًا عن صخب الحرب وأخبار النزوح، هناك عنف أهدأ لكنه مؤلم جدًا، يخرج من داخل الأسرة نفسها. كثير من الأطفال السوريين يتعرضون للإهمال والعنف النفسي والجسدي، خصوصًا في البيوت التي يعيش فيها أطفال مع زوجة الأب.

عندما يصبح البيت مرعباً

“كنت أخاف العودة إلى المنزل كل يوم بعد المدرسة”، تقول فتاة من دمشق، تروي بصوت خافت تجربتها مع زوجة أبيها. “كنت أفعل كل شيء بشكل صحيح، لكن أي خطأ بسيط كان يؤدي إلى الصراخ أو الضرب، أحيانًا حتى على أقل الأشياء.”

مثل هذه القصص ليست استثناءً. في سوريا، تشير الجمعيات الأهلية إلى أن وجود زوجة الأب في البيت يزيد أحيانًا من احتمالية تعرض الأطفال للعنف النفسي والجسدي، خاصة إذا كانت العلاقة بين الأطفال والزوجة الجديدة متوترة أو مشحونة بالغيرة أو الخلافات السابقة.

أسباب العنف الأسري في هذه الحالة

لا يمكن فهم هذا العنف بمعزل عن السياق الاجتماعي السوري:

  • الضغوط الاقتصادية: كثير من العائلات تعيش تحت وطأة الفقر، والضغوط اليومية تجعل التوتر ينعكس على الأطفال.
  • الإرهاق النفسي للبالغين: بعض الزوجات اللواتي تعرضن لعنف سابق أو مررن بتجارب صعبة يمِلن أحيانًا إلى فرض سيطرة صارمة على الأطفال.
  • غياب الدعم والمراقبة: الأطفال غالبًا ما يكونون بعيدين عن أي رقابة خارجية، ما يجعل بعض السلوكيات العنيفة تمر دون مساءلة.

تأثير العنف على الأطفال

الأثر لا يقتصر على الجسد، بل يمتد إلى النفس والعقل:

  • بعض الأطفال يصبحون خجولين ومنعزلين، يرفضون الكلام مع الكبار حتى مع والديهم الحقيقيين.
  • العدوانية أو المشكلات السلوكية تظهر في المدرسة أو مع أقرانهم.
  • القلق والاكتئاب يمكن أن يرافق الطفل لسنوات، ويؤثر على مستقبله الدراسي والاجتماعي.

جهود حماية الأطفال في سوريا

على الرغم من التحديات، هناك مبادرات محلية تحاول سد فجوة الحماية:

  • مراكز الدعم النفسي للأطفال في دمشق وحلب وريفها، تقدم جلسات استماع ومساندة أسرية.
  • المنظمات الأهلية تقوم بحملات توعية حول التربية الإيجابية والتعامل مع الصراعات الأسرية دون عنف.
  • القوانين السورية تحظر العنف الأسري، لكن التطبيق يحتاج إلى تعزيز حقيقي، خصوصًا في حالات العنف النفسي المستتر.

خاتمة

صوت الأطفال في سوريا لا يجب أن يُهمَّش. العنف ضدهم ليس مجرد قضية فردية، بل جرح مجتمعي يحتاج إلى رعاية عاجلة. حماية الطفل من عنف زوجة الأب أو أي شكل من أشكال العنف داخل البيت مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع المدني والمدرسة، وصولًا إلى الدولة. إنقاذ طفولة آمنة اليوم يعني بناء جيل قوي قادر على مواجهة المستقبل بثقة، بعيدًا عن جروح الطفولة الصامتة.

 

  • د. تغاريد محمد الفواز

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top