شعارات المتظاهرين في محافظة اللاذقية

ما جرى في الساحل ليس رأياً سياسياً ولا حراكاً مطلبياً، ما جرى اختباراً خطيراً لدولة وليدة بنت الناس عليها آمال كبيرة، ومحاولة مكشوفة لإعادة تدوير الفتنة بوجوه قديمة وأساليب مكشوفة.

ما شهده الساحل وريفه يوم 28 كانون الثاني 2025 حدث ليس عابر، ولا يمكن التعامل معه كـ«سوء تفاهم أمني» أو «احتجاج خرج عن السيطرة». ما جرى هو عودة واضحة، وفجّة، لفلول نظام الأسد، لكن هذه المرة بثوب جديد: ثوب الفيدرالية وحماية الطائفة وخطاب المظلومية المصطنعة.

الدعوة التي أطلقها غزال غزال، المعروف تاريخياً بتأييده للحل العسكري ضد السوريين وباصطفافه الصريح مع نظام بشار الأسد، لم تكن بريئة وغير مفصولة عن سياق إقليمي وأمني أكبر. ظهور تشكيلات تحمل أسماء مثل «درع الساحل» و«سرايا الجواد»، واستخدام السلاح الأبيض والناري في تجمعات مدنية، ثم سقوط قتلى وجرحى من المدنيين وقوى الأمن، ليس سلوك تظاهر.. هذا سلوك ميليشياوي بامتياز.  والنتيجة معروفة مسبقا، من يتظاهر ويخرج بالسلاح: هذا لا يطالب بحق، وإنما يهدد دولة. أي: حين تعود الوجوه القديمة التي فلتت من الحساب نعرف أن الخطر حقيقي ومهدد للسلم الأهلي.

المعلومات التي تسربت عن حشد فلول الفرقة الرابعة، بقيادة شخصيات معروفة بارتباطها المباشر بإيران مثل غياث دلة، واللواء كمال حسن، وغسان بلال، لا يمكن فصلها عمّا جرى في الساحل. هؤلاء لم يختفوا ابداً، سوى انهم انتظروا اللحظة المناسبة، واليوم وجدوا في خطاب «الفيدرالية» مدخلاً جديداً لإعادة التموضع والتمركز.

إيران، التي خسرت الكثير من أوراقها في سوريا بعد سقوط النظام البائد، لا تخفي سعيها لإرباك الداخل السوري. وإشعال الساحل ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لإشغال الدولة السورية واحراجها دولياً وإقليمياً من جهة، ومن جهة أخرى تخفيف الضغط عنها في لبنان و العراق، وإرسال رسالة بأن سوريا ما زالت ساحة مفتوحة للفوضى. وبالتالي الدم السوري يُستخدم كورقة تفاوض مرة أخرى.

 لن نكون درعاً سياسياً لأحد

بصريح العبارة: إلى أولئك الذين اعتادوا في كل استحقاق خطير للسوريين، أن يختبئوا خلف أبناء الطائفة العلوية ويدفعوهم إلى الواجهة، نقول: أساليبكم لم تعد خافية. فالكثيرون من أبناء هذه الطائفة باتوا يدركون اليوم كيف جرى استهلاكهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكيف زُجّ بهم في صراعات صُمّمت لخدمة أجندات خارجية، ثم تُركوا وحدهم يواجهون النتائج. ليس أخلاقياً إعادة استخدام الوصفة ذاتها: التخويف وشدّ الأعصاب وبناء سردية «الوجود المُهَدد» لدفع الناس إلى خيارات لا تبقي ولا تذر.

من يريد الخير لأبناء هذه الطائفة، عليه أن ينقلهم من موقع الاستخدام والحشد إلى موقع الشراكة والاندماج في دولة واحدة، لأن اللعب على الوتر الطائفي سوف يحرق الجميع مرة أخرى. ومن يريد إشعال النار فليكن مستعداً لأن يحترق معها دون أن يرسل غيره إلى الموت.

العدالة الانتقالية.. أو سنبقى ندور في الحلقة نفسها

من أمن العقاب، أساء الأدب وهذه قاعدة لا تخطئ.. أحد أخطر ما نواجهه اليوم هو ذاك الشعور المتنامي لدى مجرمي الأمس بأنهم أمنوا العقاب. البارحة، كانوا يخشون البقاء على قيد الحياة. واليوم، يتظاهرون ويهددون ويعيدون لغة الحرق والقتل وكأن شيئاً لم يكن.

هذا لن يتوقف ما لم تفتح ملفات العدالة الانتقالية على الفور وبشكل علني وواضح. ونشر أسماء المتورطين في القتل والمجازر على وسائل الإعلام ليس تشفيّاً، ولكن من أجل حماية المجتمع والناس. الناس يجب أن تعرف من الذي يحرّضها، ومن الذي يبيع ويشتري بها، ومن الذي يحاول الزج بها في جحيم الطائفية.

حين تصنع الأقليات خوفها بيدها

في الساحل، كما في غيره من الجغرافيا السورية، يبرز سؤال لا يجب الهروب منه: لماذا تصرّ بعض الأقليات، رغم أنها ليست مهدَّدة وجودياً، على لعب دور الضحية الدائمة؟ لماذا تُقنع نفسها وتُقنع أبناءها أن العالم يتربّص بها، وأن الأكثرية تنتظر لحظة الانقضاض، بينما الواقع يقول إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه السردية إلى وقود تعبئة واستفزاز؟

فالتاريخ القريب والبعيد، لا يرحم في هذا الجانب: لا أحد ينقذ أقلية حين تنفلت الفوضى وتعم، ولا قوة دولية اذا غابت مصالحها.. تحمي جماعة قررت أن تضع نفسها في مواجهة مجتمعها. الفوضى لا تفرّق بين أكثرية أو أقلية والنار حين تنشب لا تسأل عن طائفة أو هوية.

المشكلة ليست في الاختلاف أو في الخصوصية ، وإنما في تحويل الاختلاف إلى خندق وعزل الخصوصية عن السياق الوطني العام. يعني بشكل أبسط: حين تُقدَّم الطائفة ككيان منفصل بديلاً عن التعايش يصبح الجميع رهائن لحظة انفجار لا يمكن السيطرة عليها. من هنا، مسؤولية العقلاء في الساحل، وفي كل مكان، أن يطفئوا خطاب التحريض وتعرية من يمارسه، وأن يشرحوا لرعاياهم: الاندماج مع الأكثرية و الانتماء للدولة ليس تنازلاً وليس خيانة للهوية وإنما حماية أكبر وصمام أمان لها.

خلاصة المشهد و رسالة إلى الساحل

إذا افترضنا أن سوريا تفككت، وأن الساحل السوري اتجه نحو صيغة فيدرالية أو حكم ذاتي، فإن السؤال الذي لا يمكن تجنبه هو: ماذا بعد؟

إلى أبناء الطائفة العلوية في الساحل، هذه الأسئلة موجّهة من باب الوعي والنصيحة وليس من موقع خصومة، لأن أي قرار مصيري تُقاس نتائجه بما سيحمله على المدى القريب والبعيد. الساحل ليس مساحة متجانسة، هو إقليم متنوع عرقياً ودينياً ومذهبياً وأي كيان سياسي يقوم فيه سيواجه فوراً تحديات الحكم، وتقاسم السلطة، وضمان حقوق المكوّنات الأخرى. والتجربة تقول إن الفيدراليات التي لا تُبنى على عقد اجتماعي جامع تتحول سريعاً إلى ساحات صراع داخلي.

جنوب السودان انفصل باسم حماية مكوّناته، لكنه دخل في حرب أهلية بين أبناء الإقليم نفسه، رغم موارده النفطية. دول البلقان، بعد تفكك يوغوسلافيا لم تنعم بالاستقرار وغرقت في صراعات طويلة واقتصادات هشة وارتهان للخارج. ولبنان، بنظامه القائم على توازن الطوائف، يقدّم مثالاً حياً لدولة عاجزة ومشلولة تدفع مجتمعاتها ثمن الانقسام كل يوم.

في هذا السياق، يجب طرح السؤال التالي: ما الذي يميّز الساحل ليكون كياناً مستقلاً قابلاً للحياة؟ اقتصاد محدود وموارد شحيحة واعتماد شبه كامل على الجغرافيا السورية الداخلية. والأخطر من ذلك، أن أي كيان يقوم على أساس طائفي لن يكون محمياً من الصراعات، بل سيستدعيها إلى داخله، ويضع أبناء الساحل في مواجهة جيرانهم وشركائهم في الأرض والتاريخ.

الرهان الحقيقي لا يكمن في الانفصال ولا في الفيدرالية المبنية على الاصطفاف الهوياتي، يكمن في دولة سورية عادلة، تحمي جميع مكوّناتها دون استثناء. فالعزلة لم تكن يوما ضمانة للأمان، والتجارب أثبتت أن الأقليات التي اختارت الانكفاء دفعت أثماناً أكبر.

هذه دعوة لعدم تحويل القلق إلى مشروع سياسي قد يقود إلى مستقبل أكثر ضعفاً وهشاشة. فالتاريخ لا ولن يرحم القرارات التي تتخذ تحت الخوف، ولا يكافئ من يراهن على التقسيم بوصفه حلاً.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top