حظيت الوردة الشامية بمكانة خاصة في شعر نزار قباني، الذي جعلها رمزاً للحب وملامح دمشق الرومانسية. حضرت في قصائده بوصفها ملكة الزهور، ودلالة على الجمال السوري المرتبط بالمكان والذاكرة، بوصفها جزءاً أصيلاً من هوية المدينة.
في قرية المراح، الواقعة في جبال القلمون شمالي دمشق، وعلى ارتفاع يقارب 1500 متر عن سطح البحر، تزهر الوردة الشامية كل عام، رغم ما شهدته البلاد من حرب وخراب. في هذه القرية، المعروفة بـ«قرية الوردة الشامية»، يختزل موسم قصير تاريخاً طويلاً من الزراعة، والطقوس الشعبية، والاقتصاد المحلي.
يمتد موسم قطاف الوردة الشامية بين 15 أيار و10 حزيران، ويبدأ العمل مع أولى ساعات الصباح.
من الخامسة حتى الثامنة فجراً، تتحول الحقول إلى مشهد يشبه الاحتفال الشعبي، نساء يقطفن الورد بحركات متناغمة ودقيقة، أطفال يشاركون في الجمع، ورجال ينقلون السلال، فيما تنتشر في المكان رائحة نفّاذة يعتبرها المزارعون مؤشراً أساسياً على جودة المحصول.
يصف أهالي المراح محصولهم بأنه “أغلى من الذهب”، لقيمته الاقتصادية، وما يحمله من معنى وهوية متوارثة عبر الأجيال.
تُعد الوردة الشامية، المعروفة أيضاً بالورد الجوري، من أقدم الإبداعات الزراعية في سوريا. ارتبط اسمها بالطب والعطر منذ القرن الحادي عشر، حين يُنسب إلى الطبيب والفيلسوف ابن سينا تطوير عملية تقطير ماء الورد، ما أسهم في توسيع استخداماتها العلاجية والعطرية.
ومن القلمون، انتقلت الوردة إلى مناطق واسعة من العالم عبر قوافل الحج والتجارة، والحملات الصليبية، لتغدو عنصراً أساسياً في صناعة أفخم العطور العالمية. ويُعد زيت الورد المستخلص منها من أغلى الزيوت الطبيعية، إذ يتجاوز سعر الغرام الواحد منه سعر الذهب.
ما بعد الثورة… جرح الوردة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تأثرت زراعة الوردة الشامية بشكل مباشر. تراجعت المساحات المزروعة نتيجة القصف، والنزوح، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وغياب الدعم، إضافة إلى السياسات الزراعية والاقتصادية التي اتبعها النظام البائد، والتي أثقلت كاهل الفلاحين وأضعفت هذا القطاع الحيوي.
تضررت حقول واسعة، واضطر عدد كبير من المزارعين إلى التخلي عن هذه المهنة التي شكّلت جزءاً من هويتهم الاجتماعية والثقافية. وبعد سنوات من الانقطاع، عادت زراعة الوردة الشامية إلى قرية المراح، في محاولة لاستعادة ما فقدته الحرب، والحفاظ على هذا الإرث الزراعي.
وردة على العملة
حملت العملة السورية فئة 10 صورة الوردة الشامية، في تجسيد رمزي لمكانتها الثقافية والوطنية، بوصفها أحد أبرز الرموز السورية المرتبطة بالتراث والذاكرة الجماعية.
وفي عام 2019، أُدرجت الوردة الشامية وما يرتبط بها من ممارسات زراعية وصناعات تقليدية في قرية المراح على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، بوصفها تقليداً متوارثاً تشارك فيه العائلة كاملة، من الزراعة والحصاد، إلى تحضير المنتجات النهائية، وتترافق مع أهازيج وأغانٍ شعبية خاصة بالموسم.
بين الفجر والرائحة، وبين الحرب والذاكرة، تُقطف الوردة الشامية كل عام.
وردة صمدت في وجه الخراب، وبقيت شاهدة على أن ما يُزرع في الأرض والذاكرة يستمر.
- بثينة الخليل






