المخرج الذي غاب جسدًا وبقي أثرًا
تمرّ اليوم خمس سنوات على رحيل المخرج السوري الكبير حاتم علي، أحد أبرز صنّاع الدراما العربية وأكثرهم تأثيرًا خلال العقود الثلاثة الماضية. وبرغم مرور الزمن، ما زال حضوره الفني طاغيًا، وأعماله تُعرض على الشاشات والمنصات وكأنها وُلدت من جديد. وقد رحل علي في 29 كانون الأول – ديسمبر 2020 إثر نوبة قلبية مفاجئة، لكن إرثه الإبداعي ظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور والنقاد وصنّاع الدراما على حد سواء.
إرث فني لا يُنسى
بدأ حاتم علي مسيرته ممثلًا قبل أن ينتقل إلى الإخراج في منتصف التسعينيات، ليقدّم مجموعة من أهم الأعمال التي شكّلت ملامح الدراما السورية والعربية الحديثة.
من الزير سالم إلى صلاح الدين الأيوبي، ومن التغريبة الفلسطينية إلى عمر، مرورًا بأعمال اجتماعية خالدة مثل الفصول الأربعة وعصيّ الدمع، استطاع حاتم علي أن يمزج بين الحس الإنساني العميق والرؤية البصرية الهادئة التي تخدم الحكاية قبل أي شيء.
هذه الأعمال لم تكن مجرد مسلسلات ناجحة، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية، تُستعاد في كل موسم، وتُدرّس كنماذج للدراما التي تحترم عقل المشاهد ووجدانه.
فراغ لم يُملأ بعد
منذ رحيله، لم يظهر مخرج عربي استطاع أن يملأ الفراغ الذي تركه. ليس لأن الساحة فقيرة بالمواهب، بل لأن حاتم علي كان حالة فنية خاصة: مخرج يلتقط التفاصيل الصغيرة، ويمنح الممثلين مساحة للتنفس، ويحوّل النصوص إلى لوحات نابضة بالحياة.
نقّاد كُثر وصفوا رحيله بأنه “خسارة لا تُعوّض”، وأن الدراما العربية فقدت أحد أهم أعمدتها الإبداعية. وحتى اليوم، يُستحضر اسمه في كل نقاش حول الأعمال التاريخية أو الاجتماعية الكبرى، ويُقال دائمًا: “لو كان حاتم علي بيننا…”
الإنسان خلف الكاميرا
بعيدًا عن عدسة التصوير، كان حاتم علي معروفًا بتواضعه وهدوئه وابتعاده عن الأضواء. كان قريبًا من فريق عمله، حريصًا على خلق بيئة إنسانية قبل أن تكون فنية.
ربما لهذا السبب أحبّه الجمهور كما أحب أعماله، وشعر كثيرون بأن رحيله كان فقدانًا لشخص يعرفونه شخصيًا.
خمس سنوات مرّت، لكن الغياب لم يكتمل. ما زال حاتم علي حاضرًا في المشاهد التي أبكتنا، وفي الحكايات التي صاغها بصدق، وفي الشخصيات التي أعاد لها الحياة.
وما زالت الدراما العربية تبحث عن مخرج يمتلك تلك الروح، وتلك البصمة، وتلك القدرة على تحويل الحكاية إلى أثر.
رحم الله حاتم علي… المخرج الذي رحل مبكرًا، لكنه ترك وراءه نورًا لا ينطفئ.






