منذ اندلاع الثورة السورية، وجدت الطائفة العلوية نفسها أمام خيار مصيري: إما الانفتاح على مشروع وطني جامع، أو الارتهان لبقايا سلطة فردية مرتبطة بالقمع والدماء. ومع مرور الوقت، بدا أن الاصطفاف خلف نظام الأسد لم يكن مجرد موقف سياسي، بل تحوّل إلى مسار وجودي يهدد مستقبل الطائفة ومكانتها داخل المجتمع السوري.
فقد نجح الأسد اقناع طائفته بأن زواله هو بداية إبادة للطائفة العلوية! وأن مصير الطائفية مرتبط بوجوده وبهذا يضمن استمرار قتال الطائفة إلى جانبه.
الانتحار السياسي للطائفة العلوية:
التحاق الطائفة العلوية بالنظام جعلها في نظر قطاعات واسعة من السوريين شريكاً في الجرائم والانتهاكات، وألغى إمكانية الفصل بين النظام والطائفة. هذا الاصطفاف يعكس ما يُعرف بالانتحار السياسي، أي فقدان الشرعية والقدرة على المشاركة في أي مشروع وطني جامع، نتيجة ربط المصير الجماعي بمصير سلطة كانت آيلة للسقوط ومعزولة دولياً.
اعتمد الأسد المخلوع على شباب الطائفة العلوية كوقود لآلة القتل، مستغلاً ولاءهم الطائفي لتثبيت سلطته. هذا الاستثمار لم يكن لحماية الطائفة، بل لتكريسها كأداة في مشروع دموي، مما جعلها تتحمل وزر الجرائم التي ارتكبها النظام، وأفقدها القدرة على بناء علاقة طبيعية مع باقي مكونات المجتمع السوري.
قيادات الفوضى والفلول:
مع سقوط النظام البائد برزت شخصيات مثل غزال غزال، ومعها فلول النظام، لتقود خطاباً يقوم على التخويف، الطائفية، وبث الفوضى. هذه القيادات لم تقدّم مشروعاً إصلاحياً أو رؤية جامعة، بل كرّست الانغلاق والعداء، محاولةً يائسة لإطالة عمر النظام عبر إعادة إنتاج سلطته المتهالكة. في الواقع، هذه الممارسات لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الشرخ المجتمعي وتسريع عزلة الطائفة عن محيطها، حيث باتت تُنظر إليها كأداة تخريبية لا كفاعل وطني.
العزلة الاجتماعية:
إن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى عزلة اجتماعية للطائفة العلوية، حيث ستُعامل كجسم غريب داخل المجتمع السوري. العزلة هنا ليست مجرد انفصال اجتماعي، بل هي عملية تهميش متراكمة تؤدي إلى انكماش الدور السياسي والاجتماعي للطائفة، وربما إلى اضمحلال تدريجي في حضورها الوطني.
تجارب تاريخية مقارنة:
التاريخ يقدّم نماذج مشابهة يمكن أن تُقرأ في سياق الطائفة العلوية اليوم:
– في لبنان، أدّى ارتهان بعض الطوائف لقوى خارجية أو أنظمة قمعية إلى عزلة طويلة الأمد، كما حدث مع بعض الفصائل خلال الحرب الأهلية.
– عالمياً، يمكن مقارنة ذلك بمصير الطوائف أو الجماعات التي راهنت على أنظمة شمولية، مثل بعض الأقليات في أوروبا الشرقية التي فقدت شرعيتها بعد انهيار الأنظمة الشيوعية. هذه التجارب تؤكد أن الاصطفاف خلف سلطة قمعية ضد الشعب لا يؤدي إلا إلى العزلة وفقدان الدور التاريخي.
هل تنجح الطائفة في إعادة ثقة الشعب السوري بها؟
يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية الطائفة العلوية في إعادة بناء ثقة الشعب السوري بها ورفع شعار الوطنية. النجاح في ذلك يتطلب خطوات جذرية: أولها الانفصال عن النظام القمعي، وثانيها الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية عن المرحلة السابقة، وثالثها الانخراط في مشروع وطني جامع يقوم على العدالة والمشاركة. إن رفع شعار الوطنية ليس مجرد خطاب، بل ممارسة عملية تُترجم في الميدان عبر رفض الطائفية، والانفتاح على باقي المكوّنات، والمساهمة في إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة. دون هذه الخطوات، ستبقى الطائفة أسيرة العزلة، أما إذا اتخذت قراراً شجاعاً بالتحرر من إرث النظام، فإنها تستطيع أن تستعيد ثقة الشعب وتشارك في صياغة مستقبل سوريا الحرّة.
دور شباب الطائفة في الوعي وعدم الانجرار خلفهم:
يبقى الأمل معقوداً على وعي شباب الطائفة العلوية، الذين يمكنهم إدراك أن الاصطفاف خلف ما يسمى تحالف الأقليات ليس حماية لهم، بل انتحار سياسي واجتماعي. إن رفض الانجرار وراء قيادات الفوضى والفلول هو الطريق الوحيد لإنقاذ الطائفة من العزلة، وإعادة إدماجها في مشروع وطني جامع يقوم على العدالة والمشاركة.
خاتمة:
إن الطائفة العلوية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تستمر في الاصطفاف خلف الأسد وقيادات الفوضى، فتواجه انتحاراً سياسياً وعزلة اجتماعية، أو أن تعيد النظر في موقعها وتختار الانفتاح على مشروع وطني جامع يضمن لها مكاناً في مستقبل سوريا الحرّة. سورية الحرّة لا تُبنى على الطائفية والفوضى، بل على العدالة والمشاركة، وعلى الطوائف جميعاً أن تدرك أن الاصطفاف خلف القمع هو طريق مسدود.






