بحيرة طبريا في الجولان المحتل مطلع القرن العشرين معدلة بالذكاء الاصطناعي GETTY

يُعد المهندس والمسّاح الأميركي–الألماني غوتليب شوماخر (1857–1925) واحدًا من أبرز الشخصيات التي وثّقت جغرافيّة وآثار منطقة الجولان أواخر القرن التاسع عشر.
جاءت أعماله ضمن سلسلة من المشاريع المساحية التي دعمها صندوق استكشاف فلسطين (PEF)، وذلك بهدف إعداد خرائط دقيقة وتحقيقات أثرية وجغرافية للمنطقة.
تمثّل رحلته إلى الجولان بين عامي 1884–1886 إحدى أهم البعثات التي أسهمت في تسجيل القرى والخرائب والمسارات القديمة، قبل التغيّرات اللاحقة في المنطقة

كان شوماخر، المهندس والمسّاح الأميركي–الألماني يحمل شغفًا مبكرًا بقراءة الأرض وإدراك ما تخفيه من طبقات التاريخ، وقد أوفده صندوق استكشاف فلسطين لإجراء مسح شامل للجولان وما حوله، وعندما وصل إلى تخوم المنطقة، وصف انطباعه الأول قائلًا:
(الأرض هنا تبدو فسيحة حدّ لا يُصدّق، وكأنها تمتد بلا نهاية بين البازلت الأسود والسماء المشرقة).

تنقّل شوماخر بين القرى القليلة المنتشرة في السهول والمرتفعات، ولاحظ مبانيها البازلتية القاتمة التي تعكس صلابة البيئة المحيطة، وقد كتب في أحد تقاريره:
(القرى مبنية من حجارة بازلتية سوداء، قليلة النوافذ، لكنها متينة تقاوم الرياح القاسية التي تعصف من الحرمون).
وكان يسجّل وصفًا دقيقًا لكل مكان يصل إليه، من ارتفاعات الجبال إلى ممرات الوديان، ومن أطلال البيوت القديمة إلى الحقول التي يرعاها أهل القرى أو البدو الرحّل.

ومع تقدم رحلته، بدأ شوماخر يكتشف مقدار ما يضمه الجولان من آثار مطمورة أو مهجورة، فكلما صعد تلًا أو دخل واديًا وجد دلائل لحضارات سابقة، وقد كتب معبّرًا عن دهشته:
(إن الجولان يكاد يكون متحفًا مفتوحًا، فكل تل يحمل أثرًا، وكل وادٍ يخفي أساسات أبنية تعود لعصور متباينة).
زار مواقع كثيرة مثل خسفين ودير قروح وفيق والبطيحة وراوية، ووثّق أعمدة متهدمة وكنائس بازلتية قديمة وأبوابًا حجرية ضخمة ما تزال قائمة على مفاصلها وقبور دولمن، وأجرى قياسات دقيقة جعلت عمله مرجعًا لا غنى عنه للمؤرخين والآثاريين لاحقًا.

كما أولى شوماخر اهتمامًا خاصًا بالطرق القديمة، ولا سيما الطرق الرومانية التي كانت تربط جنوب سوريا ببحيرة طبرية والأردن، وقد كتب عن أحد هذه الطرق بعد أن تتبع حجارة الميلان على طولها:
(لا تزال آثار الطريق الرومانية واضحة على الرغم من قسوة المناخ، وعليها حجارة مشذبة تدل على عظمة الهندسة القديمة). كانت ملاحظاته تجمع بين الحسّ العلمي والانطباع الشخصي، وهو ما منح تقاريره طابعًا حيًا يتجاوز مجرد المسح الطبوغرافي.

ومع مرور الأشهر الطويلة، اكتمل المسح الذي كُلّف به، فخرج بعمل ضخم يشمل خرائط دقيقة وبيانات طبوغرافية ووصفًا ميدانيًا لأكثر من مئة موقع، وقد نشر لاحقًا كتابه الشهير “الجولان”، الذي تحوّل إلى وثيقة مرجعية لما كانت عليه المنطقة قبل أكثر من قرن، وبرغم الانتقادات التي وُجّهت إليه حول بعض استنتاجاته التاريخية، فإن قيمة ما أنجزه لا تكمن فقط في دقته العلمية، بل أيضًا في كونه سجلًا نادرًا لملامح الجولان كما رآه بأم عينيه في زمن هادئ نسبيًا، قبل أن تتبدل ملامحه وتتغير خرائطه.

وهكذا أصبحت رحلة شوماخر شهادة فريدة عن أرض تجمع بين القسوة والجمال، بين البساطة والعمق التاريخي، بين الخرائب الصامتة والحياة اليومية التي كان يراقبها ويكتب عنها بدقة المسّاح وحسّ الراوي، لقد ترك وراءه نصوصًا لا تزال تُقرأ بوصفها نافذة على زمن مضى، ومن بينها كلمته التي تلخص نظرته للجولان: (هنا، في هذه المرتفعات السوداء، تقف الحجارة شاهدة على أجيال تعاقبت ثم اختفت، وما علينا إلا أن نُنصت إليها).

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top