الجولان المحتل

من درعا بدأت الرحلة، لا باعتبارها طريقاً جغرافياً فقط، بل بوصفها استدعاءً لذاكرة قديمة كانت تتشكّل على زجاج باص يشقّ سهول حوران. مررنا “بأزرع”، ثم “الصنمين”، فالسهول المفتوحة على القمح، قبل أن نتابع باتجاه نوى وجاسم وتلال الجابية، حيث يبدأ اللون الأخضر بالثقل، وتبدأ الأسئلة الصامتة بالظهور. مع كل كيلومتر، كنتُ أقترب من الجولان، وأبتعد أكثر عن الرواية التي تربّينا عليها.

كانت الرحلة منظَّمة من نقابة المهندسين الزراعيين في طرطوس. جلست في المقعد الأمامي، أراقب الطريق وأستعيد ما قرأته في الكتب، وما سمعته في سن مبكرة عن “الجولان والقنيطرة”، عن خيانة جرى تسويقها كحرب، وعن أرض سُلّمت ثم جرى الاستثمار في خرابها. خلال الطريق، كان بعض المشاركين، ومعظمهم من الطائفة العلوية، يشتمون إسرائيل ويمجدون “بطولات حافظ الأسد الخالد”. كنت أسمع كل ذلك وألتزم الصمت. لم أجرؤ حتى على تغيير ملامح وجهي. فالكذب حين يُقال بثقة، يصبح الاعتراض عليه مخاطرة.

من بعيد، لاح العلم السوري وتمثال النصر. شعرت باشمئزاز لم أُظهره. توقّف الباص عند القنيطرة المهدمة. نزل الجميع مسرعين، يلتقطون الصور فوق أكوام البيوت التي لم يبق منها سوى حجارة سوداء. ارتفعت الأصوات، التصفيق، إشارات النصر، وكلمات من نوع “القائد المفدى حرّر القنيطرة ورفع العلم هنا”. التقطتُ صورة واحدة، من دون أي إشارة، مثقلة بحزن أعرف مصدره: هذه البيوت لم تُدمَّر في معركة، بل تُركت هكذا لتكون شاهداً صامتاً يُستجدى به العالم.

تابعنا السير بمحاذاة السياج الشائك. إلى يميني كانت الأراضي المحتلة، قريبة حدّ الاختناق. كنتُ أُخفي دمعة لا تريد أن تسقط. عند النقطة الأخيرة قبل الحاجز، انتشرت قوات الأمم المتحدة. سياراتهم تعبر بين سوريا والمنطقة المحتلة بسهولة. كانوا يلوّحون ويضحكون. من معنا ردّوا التحية، لوّحوا، ضحكوا. أما أنا، فكنت أقول في داخلي: كيف يمكن أن ألوّح لمن يقف بيني وبين أرضي؟

نظرتُ إلى اليمين، فرأيتُ “تلّ أبو الندى”، وشجرة كبيرة على بُعد كيلومترات، قيل لنا إن تحتها بناءً إسرائيلياً. ثم نزلنا إلى نقطة مرتفعة قليلًا عن الأرض، مصنوعة من الخشب، تعلوها مظلّة، تشبه شرفة مفتوحة على المشهد. سُمح لنا بخمس دقائق فقط. هناك، استنشقتُ هواءً لم أعرف له مثيلًا من قبل. أمامي امتدّت أراض خضراء، مستوية، مزروعة بعناية. زرتُ معظم سوريا، ورأيتُ فيها أماكن جميلة، لكنني لم أرَ في حياتي مكانًا بهذا السحر. كان الجولان في تلك اللحظة جمالًا خالصًا، ومسلوبًا.

اقتربت منّي امرأة في الخمسين من عمرها، ترتدي الزيّ الجولاني، تحمل وردة زهرية. نادتني، سألتني عن اسمي ومن أين أنا، قبّلتني، وضعت الوردة في شعري، والتقطت صورة معي، ثم قالت: «شفتي بلادنا ما أجملها». كانت جملةً بسيطة، لكنها حملت وطناً كاملاً.

انتهت الدقائق الخمس بسرعة موجعة. تعالت الأصوات: “يالله خلص… عالباص”. لم أكن أريد مغادرة المكان. دُرتُ حول نفسي، انحنيت، ومددتُ يدي من بين خشب السياج، وأخذتُ حفنةً من تراب الجولان. شعرتُ أنني أترك روحي هناك وأعود بجسدٍ فقط. ابتعدتُ أمتارًا قليلة، ثم توقّفت، وعدتُ أنظر إلى المكان وما بعده. كان القهر أكبر حين قالوا لي إن بحيرة طبريا تبعد عني سبعة كيلومترات فقط.

عدتُ إلى غرفتي، وضعتُ التراب في علبة زجاجية، وكتبتُ عليها تاريخ الرحلة: 8 نيسان/أبريل 2008. لم يكن ما حملته تذكارًا، بل أمانة أرض ما زالت حيّة في الذاكرة، مهما حاولوا تحويلها إلى صورة عابرة، أو خطاب تعبوي، أو نشيد رسمي يُقال فوق أنقاض الحقيقة، ومهما طال الزمن الذي يُراد له أن يغطي الخيانة بشعارات النصر.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top