جماهير سورية تحيي ذكرى التحرير

تحررت سوريا من قيودها.. عام كامل مضى على سقوط نظام بشار الأسد، عام كامل حاول فيه السوري أن يقف على قدميه وهو يكتشف أن الخراب لم يكن مجرد سلطة حكمته بالسيف والسوط، بل شبكة طويلة من القوانين المعقدة والعقوبات والاختناقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ضربت البلاد بعرض الحائط.

إلغاء قيصر خطوة مهمة. لكن الخطوة الأساسية الحاسمة ليست في واشنطن.. بل في كل ذرة تراب سورية، في دمشق، وحلب، ودرعا، وحمص، وحماة، والساحل، ودير الزور، والحسكة، والرقة، والسويداء، والجولان المحتل، وفي قدرة السوريين على كتابة عقد اجتماعي جديد بينهم، دون الحاجة إلى وصي.

واليوم، وبعد أن وافق مجلس النواب الأميركي على إلغاء قانون قيصر، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ألغوا القانون؟
بل: لماذا أبقوا عليه كل هذا الوقت بعد سقوط النظام الذي فُرض لأجله؟

بلد خرج من تحت الأنقاض، لكنه ما زال يدفع فاتورة لا تخصه
النظام البائد هو الذي صنع مسرح الجرائم التي بُني عليها قيصر. أما سوريا الجديدة التي تشكّلت خلال سنة، وبمؤسسات تُعاد لملمتها، وبإدارة مدنية غير عسكرية بدأت تعيد ترتيب هيكلتها، فهي لم ترتكب تلك الجرائم والفظائع، لكنها بقيت محاصرة بعقاب لم تشارك فيه.

سنة كاملة حاول فيها الناس أن يعملوا وأن ينتجوا، وأن يعيدوا بناء حياتهم، لكن البلد كان مُكبَّلًا بقيود المجتمع الدولي، والمفتاح بيد واشنطن. لم يكن قيصر مجرد عقوبات، كان جداراً متيناً في وجه أي شركة، وأي مستثمر، وأي مشروع. والأميركيون كانوا يعرفون ذلك، ومع ذلك أبقوه حتى اللحظة الأخيرة.

الإلغاء ليس هدية.. بل تصحيح متأخر
القرار ليس كرماً أميركياً، ولا صحوة ضمير. إنه اعتراف متأخر بأن القانون استمر أكثر مما يجب. فسوريا التي سقط فيها النظام تغيّرت، والمرحلة التي جاءت تحتاج إلى فك الأغلال وليس استمرارها.

الإلغاء يعني ببساطة أن واشنطن فهمت أن استمرار العقوبات على بلد يُعاد تشكيله يفتح الباب أمام الفوضى، والهجرة، والفراغ السياسي، وكلها أشياء لا أحد يريدها.
لكن الإلغاء لا يكفي.. فالسنوات التي قضاها السوريون تحت العقوبات لن تختفي بقرار واحد.
سوريا تحتاج إلى استعادة الثقة، وإلى فتح الأبواب، وإلى إعادة تشغيل اقتصادها، وإلى بناء علاقات جديدة لا تقوم على الخوف، بل على القانون والمصلحة المتبادلة.

لا عدالة تأتي من الخارج.. العدالة تُبنى في الداخل
إلغاء قيصر مهم جداً، لكنه ليس حدث العدالة. فالعدالة الحقيقية لا تأتي بظرف مختوم بختم سري للغاية من الكونغرس. العدالة التي تبني بلداً وتنهض به لا تُقام على منصات دولية.. وإنما على أرض البلد نفسه بالمساواة وبالقانون، وبالمحاسبة التي يجب أن تكون سورية نزيهة خالصة لا توظيف فيها ولا انتقام.
هذا يعني أن إلغاء قانون خارجي لا يبرّئ من ارتكب الجرائم وأوغل في سفك الدماء، ولا يريح ذاكرة بلد مثقل بالألم وتعب السنين.
العدالة الحقيقية هي التي لا تجرّ البلاد إلى ثأر وفوضى، ولا ترهن مستقبلها للمحاكم الدولية. عدالة تُطمئن قلوب الناس، وتُجبر كسر خواطرهم، وتجمعهم، وتغلق الصفحة دون أن تترك دماً على الطاولة.

سوريا الجديدة لا تحتاج إلى وصاية.. نعم للوحدة الوطنية
بعد 13 عاماً من التدخلات، جرب السوريون كل شيء.. من دعم خارجي إلى العقوبات، وبيانات الشجب والاستنكار، والمنصات الأممية و..و….، وكان كل قرار خارجي مهما كان لونه يحمل خلفه ورقة حساب، بينما الحساب الوحيد الذي يهم السوري هو:
«هل سيعيش أطفالي في بلد طبيعي أم في بلد محاصر؟»

وجربوا بالمقابل شيئاً آخر.. أنهم حين يجلسون وحدهم ويتفاهمون، يعود البلد إلى الحياة.
فلا أحد سوف يبني سوريا بدلاً عن السوريين أنفسهم. ولا أحد سوف يكتب دستورها، ولا يعيد اقتصادها، ولا يعيد روحها إلا هم، ودون أي تدخل من أحد. وأن يعرف أبناؤها أن الوحدة ليست شعاراً بل شرط الحياة الوحيد للمواطنة الحقيقية.

سوريا اليوم ليست سوريا الأمس. والعقوبات التي رُفعت لن تعيد الزمن، لكنها تفتح نافذة المستقبل من أجل البناء والتكاتف، ونبذ مشاريع التقسيم التي يقودها شيوخ باعوا شرفهم لمحتلين فرحين بتشتتنا، وأرذال النظام السابق وفلوله، أدوات بطشه، وعدم الانجرار خلفهم كالقطيع. وإذا لم يدخل السوريون من هذه النافذة مجتمعين، سوف يغلقها العالم مرة أخرى دون أن يرفّ له جفن.
اليوم انتهى القانون «قيصر».. لكن المستقبل يبدأ فقط حين يقرر الناس أنهم يريدون بلداً يشبههم، لا بلداً يشبه حروب الآخرين.

في النهاية.. ما يجب أن نفهمه أن القضية الأساسية هي قضية الإنسان الذي عاش تحت ثقل قانون لم يكن جزءاً من معركته. قانون حاصر الشعب بكل فئاته: سائق التاكسي، والنجار، وصاحب البقالية، والطالب الذي يريد فيزا، والأم التي تنتظر دواء ما زال على قائمة المحظورات، والعامل الذي يريد ماكينة يشتغل عليها، والوريث الذي يحاول إعادة فتح معمل والده.
اليوم، إلغاء القانون ليس مكسباً سياسياً فقط، بل فرصة لكي يخرج الإنسان السوري من الطابور الطويل، ويبدأ أخيراً بترميم يومه العادي قبل أن يرمم بلده.

هذه اللحظة غير مناسبة للصراخ السياسي.. هذه لحظة لصياغة المطالب الواضحة كـ:
الطرق، والماء، والغاز، والدواء، والمدارس، والمشافي، والمحاكم النزيهة، وبناء الإنسان.. هذا هو فقط الطريق الحقيقي لبناء دولة ما بعد الحرب.
قد نستيقظ على مرحلة بناء وطنية سريعة ومثمرة، أو على إعادة إنتاج الخراب بأيدينا.
الاختيار الآن، ولأول مرة منذ سنوات.. أصبح سورياً بالكامل.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top