حملة لا للعنف ضد النساء

تُعدّ حملة 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة مبادرة عالمية انطلقت لتسليط الضوء على أشكال العنف المُمارَس ضد النساء والفتيات، ولتعزيز ثقافة الحقوق والكرامة الإنسانية. وتمتد الحملة سنويًا من 25 تشرين الثاني/نوفمبر (اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة) إلى 10 كانون الأول/ديسمبر (اليوم العالمي لحقوق الإنسان)، في دلالة رمزية عميقة تؤكد أن حقوق المرأة جزءٌ لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وأن حمايتها هي معيار أساسي لصحة أي مجتمع.

العنف ضد المرأة: مفهوم متعدد الأبعاد يتجسد في الواقع السوري

لا يقتصر العنف ضد المرأة على الضرب والإيذاء الجسدي فحسب، بل هو وباء خفيّ تتعدد أشكاله:

· العنف النفسي: وهو الأكثر انتشارًا والأصعب في الرصد، ويتمثل في الترهيب، الإهانة المستمرة، التقليل من الشأن، العزل الاجتماعي تحت مسميات “الحماية” أو “الوصاية”، والابتزاز العاطفي.

· العنف الاقتصادي: وهو سلاح فتاك في ظل الأزمة، ويظهر في السيطرة الكاملة على الموارد المالية للمرأة (دخلها أو المعونات)، منعها من العمل أو التعليم، تحميلها أعباءً مالية فوق طاقتها دون تمكينها من أدوات المواجهة، والحرمان من الميراث.

· العنف المجتمعي: عبر التنميط، التحرش، والخطاب التحريضي الذي يحد من حريتها ويحمّلها مسؤولية “شرف” المجتمع.

في السياق السوري، غالبًا ما تُمارَس هذه الأشكال داخل جدران الأسرة أو تحت سقف المجتمع بصمت، ما يجعل أثرها النفسي أعمق وأطول أمدًا، ويُنتج معاناة صامتة تُحمّل المرأة تبعاتها وحدها.

 

خصوصية الواقع السوري: أزمة على أزمة

في المجتمع السوري، ازدادت تحديات المرأة خلال سنوات الأزمة الممتدة بشكل لافت. حيث تداخلت العوامل الاقتصادية القاسية (مثل الفقر والبطالة التي دفعت بأكثر من 30% من الأسر السورية لتعيلها نساء، وفق تقديرات منظمات محلية) مع الضغوط الاجتماعية والنفسية الهائلة. فارتفعت أعباء الحياة اليومية، وانعكس ذلك سلبًا على الاستقرار الأسري، وأدى في كثير من الحالات إلى تفاقم أنماط العنف القائمة وظهور أشكال جديدة، ولا سيما النفسي والاقتصادي منها، التي تُبرّر أحيانًا تحت وطأة “ضغوط المعيشة”.

ومن خلال عملي الميداني المجتمعي والتدريبي، ولمسؤوليتي في مجال الوعي المجتمعي، لمستُ بشكل مباشر حجم هذه المعاناة الصامتة. فالعديد من النساء يتحملن العنف دون إدراك لخطورة آثاره الطويلة الأمد على صحتهن النفسية وصحة أبنائهن، أو يصمتن خوفًا من التفكك الأسري أو الوصمة المجتمعية.

 

بين الثقافة الأصيلة والتفريط الخاطئ: اختراق جدار التطبيع

من أخطر التحديات هو تطبيع بعض الممارسات العنيفة تحت مسميات العادات أو التربية أو “الخوف المقدس” على المرأة. هنا يجب الفصل بوضوح: فالقيم الأصيلة للمجتمع السوري قائمة على الرحمة والعدل والتكافل والكرامة. ما يُمارس تحت ستار “العادة” هو في حقيقته تشويه لتلك القيم. لذا، فإن مواجهة هذا التطبيع تحتاج إلى خطاب واعي يستند إلى جوهر ثقافتنا وديانتنا، لا إلى خطاب تصادمي.

 

دور الوعي المجتمعي والمؤسسات: من العلاج إلى الوقاية

من واقع المبادرات والبرامج التي نقودها في “أكاديمية دمشق للتدريب والوعي المجتمعي”، نؤكد أن الوعي هو المدخل الحقيقي والاستراتيجي للوقاية من العنف. لا يكفي تقديم الدعم بعد وقوع الضرر، بل يجب بناء مناعة مجتمعية. وهذا يتحقق من خلال:

1. نشر الثقافة الحقوقية: تعريف الجميع، رجالاً ونساءً، بحقوق المرأة المنصوص عليها في الشرائع والقوانين الدولية والإنسانية.

2. تعزيز الحوار الأسري: تحويل الأسرة من ساحة صراع إلى فضاء للحوار والتفاهم المتبادل.

3. التمكين الشامل: تمكين المرأة نفسيًا (بث الثقة في نفسها)، واقتصاديًا (بتوفير فرص التدريب والعمل الآمن)، وقانونيًا (بالتوعية بحقوقها القانونية).

4. إشراك الرجل كحليف استراتيجي: وهو محور أساسي. يجب إشراك الرجل في الحل، ليس كـ “طرف اتهام”، بل كـ شريك وحليف في بناء أسرة سليمة. من خلال برامج خاصة تُظهر له كيف أن احترام المرأة وتمكينها يُقوّي الأسرة ويحمي الأبناء ويبني مجتمعًا متماسكًا، وهي غايته التي يسعى إليها.

5. تعزيز دور المؤسسات: على المؤسسات الدينية دور في تقديم خطاب تصحيحي يستند إلى النصوص الصحيحة. وعلى المنظمات المحلية إنشاء شبكات دعم ومساحات آمنة. وعلى الإعلام تقديم نماذج إيجابية وتفكيك الصور النمطية.

المرأة شريك في التعافي المجتمعي: الاستثمار الأجدى

المرأة السورية كانت ولا تزال الركيزة الأساسية في صمود الأسرة والمجتمع طوال سنوات الأزمة. فهي التي أمسكت بمقود الحياة في ظل ظروف لا تُحتمل. لذلك، فإن حمايتها من العنف وتمكينها ليس منّة، بل هو استثمار مباشر وأساسي في بناء جيل متوازن نفسيًا ومجتمع أكثر استقرارًا وانتاجية. كل ليرة تُنفق على تعليمها وصحتها النفسية هي استثمار في مستقبل سوريا.

خاتمة ودعوة للعمل: من الشعار إلى الممارسة اليومية

إن مناهضة العنف ضد المرأة في المجتمع السوري ليست شعارًا موسميًا نرفعه 16 يومًا ثم ننساه، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مستمرة، تترجم وعيًا وسلوكًا وممارسة يومية.

· نحن ندعو الرجال: لتكونوا حلفاء في المنزل، عبر ممارسة الاحترام والحوار، والوقوف ضد أي شكل من أشكال الإهانة أو التهميش.

· نحن ندعو المؤسسات: لإدراج جلسات التوعية بمخاطر العنف النفسي والاقتصادي ضمن جميع برامجها التنموية.

· نحن ندعو المجتمع بأكمله: لرفض الصمت، وخلق شبكات دعم مجتمعية، والإبلاغ عن حالات العنف عبر القنوات الآمنة.

مجتمع خالٍ من العنف يبدأ بأسرة واعية، وأسرة واعية تبدأ باحترام المرأة. لنجعل من هذه الحملة منطلقًا لعهد جديد، يكون فيه الاحترام هو اللغة السائدة، والكرامة هي الميراث الذي نتركه لأبنائنا

  • د. تغاريد محمد الفواز

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top