جانب من الجماهير في محافظة حماة بذكرى تحريرها

في مشهدٍ غير مسبوق، ارتفع في سماء مدينة حماة وسط سوريا أطول علم للبلاد بطول 500 متر، خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024. المناسبة حملت رمزيّة مضاعفة لمدينةٍ دفعت أثمانًا باهظة عبر عقود، وخرجت اليوم لترفع العلم الذي طالما مُنع عنها إلّا على مقاس السلطة.

في مثل هذا اليوم قبل عام، تمكن الثوار السوريون من دخول العاصمة دمشق، معلنين نهاية حكم بشار الأسد (2000–2024)، بعد عقود من سلطة العائلة التي بدأت مع حافظ الأسد منذ عام 1970. غير أنّ حماة، التي كانت إحدى أولى المدن التي فجّرت روح الثورة في 2011، بدت وكأنها تستعيد قصتها الخاصة من جديد.

حماة… المدينة التي لا تنسى
منذ الأيام الأولى للثورة السورية، كانت حماة على موعد مع أكبر مظاهرة شهدتها البلاد. خرج مئات الآلاف في تموز/يوليو 2011 إلى ساحة العاصي يهتفون من أجل الحرية، في مشهدٍ لم تستطع أجهزة النظام نسيانه أو التسامح معه. تلك اللحظة شكّلت نقطة تحوّل، أعادت إلى الأذهان ذاكرة المدينة المثقلة بدماء أحداث الثمانينيات، حين تعرّضت لهجومٍ واسع من قوات النظام في شباط/فبراير 1982، تاركةً جروحًا عميقة ما تزال حيّة في ذاكرة الأجيال.

حماة، بطبيعتها المحافظة المسالمة، وبشوارعها التي تلامس نواعير العاصي، كانت تحمل خصوصية في عهد النظام، مدينةٌ خضعت لرقابة أمنية مشددة، ورُسمت حولها صورة “المدينة المتمرّدة” التي يجب كسر إرادتها. لذلك، لم يكن غريبًا أن تكون أول من يقف على خطوط المواجهة في 2011، وأول من يدفع الثمن.

لحظة التحرير… حين خذلهم الجيش
مع بدء عمليات التحرير أواخر 2024 ووصول طلائع الثوار إلى أطراف المدينة، خرج الأهالي إلى الشوارع يستنجدون بما كانوا يظنونه “جيشًا وطنيًا” لردع العدوان والدفاع عنهم. ظنّوا أنّ اللحظة التاريخية التي حلموا بها قد جاءت أخيرًا. لكن قوات النظام البائد فاجأت المدنيين الذين احتشدوا، إذ تعاملت معهم باعتبارهم هدفًا عسكريًا. وقع الغدر فجأة، وفتح الجنود النار على المدنيين العزّل، في آخر فصل من فصول الخيانة التي عاشتها المدينة طوال عقود.

غير أنّ تلك الحادثة التي حاول النظام استخدامَها لكسر إرادة الناس، تحوّلت إلى نقطة اشتعال أنهت ما تبقّى من وجوده في المدينة، لتنتصر إرادة الأهالي ويُستكمل التحرير، وتتقدم القوات الثورية إلى قلب دمشق لاحقًا.

رايةٌ تمتد نصف كيلومتر… وذاكرة تمتد نصف قرن
اليوم، عندما ترفع حماة علمًا بطول 500 متر، فهي لا تحتفل فقط بسقوط النظام، بل تكتب رواية جديدة لمدينةٍ حاولت السلطة طمس تاريخها. العلم الممدود على ضفاف العاصي بدا وكأنه امتدادٌ لذاكرة المدينة التي لم تنكسر، ورمزٌ للأجيال التي واجهت القمع مرتين، في الثمانينيات ثم في 2011، قبل أن تعود اليوم لترفرف فوق أنقاض الأعوام الثقيلة.

مدينة حماة واحدة من أبرز رموز الثورة السورية واليوم، وهي تحتفل في السنة الأولى لسقوط النظام المجرم، تبدو وكأنها تؤكّد أنّ المدن قد تُحاصر، وقد تُقمع، لكن ذاكرة أهلها لا تُهزم.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top