حركة لنزوح الأهالي في بيت جن عقب اعتداء من دولة الاحتلال

بيت جن ليست مجرد بلدة صغيرة على أطراف الجنوب، بل هي مرآة لصراع أوسع يتجاوز حدود المكان والزمان. هناك، حيث أراد الاحتلال أن يفرض معادلاته بالنار والحديد، خرج الأبطال ليقولوا إن الشعوب لا تُهزم، وأن المفاوضات تحت الضغط لا تصنع سلاماً بل استسلاماً.
بيت جن اليوم تكتب معادلة جديدة: المقاومة هي الطريق، وكل ما عداها وهم.

مشروع الاحتلال وسياسة التهجير:

العملية العسكرية الأخيرة لم تكن مجرد مواجهات محدودة، بل جزء من مشروع استراتيجي للكيان الصهيوني يقوم على التوغل البطيء وقضم الأرض خطوة خطوة.
الاحتلال يدرك أن السيطرة على القرى الصغيرة تفتح الطريق أمام فرض واقع سياسي وعسكري جديد، وأن خلق فراغ سكاني عبر التهجير والإفقار هو المدخل لتثبيت السيطرة والتوغل لذلك لم يكتفِ بالقصف والاعتقالات، بل لجأ إلى أساليب أكثر خبثاً: منها حرمان السكان من الخدمات الأساسية وتجفيف المزروعات، في محاولة لدفعهم إلى النزوح القسري. “إنها حرب على الحياة نفسها، حيث تتحول الأرض إلى ساحة اختبار لإرادة الإنسان”

موقف دمشق بين القوة وضبط النفس:

في هذا السياق، برز موقف دمشق عبر تصريحات بيان وزارة الخارجية ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، الذي شدد على أن لا اتفاق أمنياً مع إسرائيل قبل وقف الاعتداءات، وأن سوريا تفاوض من منطق قوة لا منطق ضعف. وأوضح أن دمشق تستخدم كل الطرق للضغط على إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تمارس ضبط النفس تجاه الممارسات الإسرائيلية، إدراكاً أن الرد المباشر على الاستفزازات قد يفقدها مكاسب سياسية مهمة. وأكد أن إسرائيل يزعجها أن تكون سوريا دولة قوية وناجحة، وأن مواجهة المشروع الصهيوني لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تشمل أيضاً المعركة السياسية والدبلوماسية.

دمشق أعلنت أنها ستقدم إفادة لمجلس الأمن بشأن الاعتداءات، ورفضت التعامل مع الأعذار الواهية التي تقدمها إسرائيل، ووصفت روايتها عن وجود الحوثيين في سوريا بأنها ضرب من الخيال. كما أُعلن أن وفداً من مجلس الأمن سيزور دمشق ويلتقي الرئيس الشرع، في خطوة تهدف إلى نقل صورة أوضح عن الاعتداءات الإسرائيلية.

المقاومة تفرض المعادلة:

بالتزامن مع فشل المفاوضات واقتراب الذكرى الأولى لتحرير سورية، لجأ الاحتلال إلى التصعيد العسكري، لكنه كشف بذلك هشاشة منظومته الأمنية؛ فكلما زاد القصف والاعتداء، زادت عزيمة المقاومين وارتفعت كلفة الاحتلال!

“لقد شاهدنا عظم المظاهرات الشعبية المليونية في عموم البلاد التي تطالب برد العدوان الإسرائيلي وعدم التقسيم والتدخل بشؤون البلاد” كما أشير إلى أن ما جرى ببيت جن ليست مجرد مواجهة عسكرية ضيقة، بل اختبار لإستراتيجية الاحتلال: “هل يستطيع فرض الاستسلام عبر القوة، أم أن المقاومة قادرة على قلب المعادلة؟”

والجواب جاء واضحاً: المقاومة، رغم التضحيات، هي التي تفرض الإيقاع. وفي الوقت الذي تراهن فيه بعض الأنظمة العربية على التطبيع كخيار، جاءت بيت جن لتفضح هذا الوهم. فالمقاومة هناك أثبتت أن التطبيع ليس سوى غطاء للهزيمة، وأن الطريق الوحيد لحماية الكرامة والسيادة هو المواجهة. بيت جن بهذا المعنى ليست بلدة محاصرة، بل رسالة للأمة كلها: أن الاحتلال مشروع توسع، وأن الرد عليه لا يكون بالصفقات، بل بالصمود والمقاومة.

ختاماً:
بيت جن اليوم ليست مجرد بلدة، بل مدرسة في المقاومة والمواجهة، ودرس للأمة جمعاء. أبطالها لم يكتبوا التاريخ بالدم فقط، بل رسموا خريطة الطريق نحو الحرية، وأثبتوا أن مواجهة المشروع الصهيوني ليست خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية.

ومع ذلك، فإن المقاومة لا تنفصل عن الدبلوماسية، بل تتكامل معها؛ فالميدان يمنح الشرعية والقوة، والدبلوماسية تُترجم هذا الصمود إلى مكاسب سياسية على الساحة الدولية. لا معنى لأي تفاوض أو إفادة أمام مجلس الأمن ما لم تُحمَ بصلابة الأرض وصمود الشعب، ولا قيمة لأي مواجهة عسكرية إن لم تُستثمر سياسياً لتعرية الاحتلال وكشف جرائمه.

هكذا تكتب بيت جن معادلة جديدة: المقاومة تحمي الأرض والإنسان، والدبلوماسية تُحصّن المكاسب وتفضح العدوان. ومن أراد أن يفهم معنى الكرامة والسيادة، فليقرأ بيت جن جيداً؛ فهي الدرس الذي يثبت أن إرادة الشعوب قادرة على قلب المعادلات، وأن الحرية لا تُنتزع إلا بالمقاومة المدعومة بوعي سياسي ودبلوماسي رشيد.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top