القراءة التي كانت تصنع الحضارات أصبحت طيّ النسيان في حياة كثيرين

القراءة بداية الحضارة
أول كلمة نزلت في القرآن كانت أمرًا مباشرًا بالقراءة: اقرأ. كلمة واحدة حملت معنى كبيرًا، وجعلت المعرفة أساسًا لبناء الإنسان والحضارة. القراءة طريق لفهم الذات والعالم والتاريخ، والأداة التي تنقذ الفرد والمجتمع من الجهل وضعف الفهم.

في علم النفس والسلوك تؤكد الأبحاث الحديثة أن القراءة تساعد على مواجهة ضغوط الحياة، وتخفف القلق، وتفتح المجال لفهم المشاعر بشكل أعمق.
أما الرواية أو القصة التي يختارها القارئ فتمنحه قدرة على ترتيب أفكاره، وتجعله يشعر أنه ليس وحده في تجاربه.

الأندلس حضارة الكتب والورق

الأندلس كانت مساحة للعلم والعمل. كانت مكتبات قرطبة مليئة بالمخطوطات، وأسواق الورّاقين تضج بالحبر والنسخ، والشباب يمضون ساعات طويلة في نسخ الكتب لضمان وصول المعرفة إلى الجميع.

في أوروبا في الوقت نفسه، كانت كتب كثيرة تُترك قرب الإسطبلات أو تُهمَل داخل الأديرة، لأن عدد من يعرف القراءة قليل، ولم يُعرَف قدر الكتاب كما في الأندلس.

المؤرخان ول ديورانت وغوستاف لوبون يؤكدان هذا الفارق، الذي ساهم في نهضة الحضارة الإسلامية وتأخر النهضة الأوروبية حتى جاء الاختراع الذي غيّر كل شيء.

غوتنبرغ والمطبعة ثورة في المعرفة
في منتصف القرن الخامس عشر، اخترع يوهان غوتنبرغ المطبعة بالحروف المتحركة. هذا الاختراع سمح بإنتاج نسخ كثيرة من الكتب بسرعة ودقة، ووفر للناس الوصول إلى المعرفة على نطاق واسع. كانت المطبعة بداية ثورة تعليمية، إذ أصبح بالإمكان قراءة الكتب خارج الأديرة، وتعلّم مهارات جديدة، والمشاركة في الحياة الثقافية، وهو ما ساعد أوروبا على الخروج من ظلام الجهل تدريجيًا.

القراءة اليوم.. ضياع التركيز في عصر السرعة

اليوم تغيّرت طريقة تعامل الإنسان مع المعرفة. الفيديوهات القصيرة والمحتوى السريع أصبحا المسيطرين على الوقت والانتباه… الدماغ تعوّد على القفز بين المقاطع، فصار من الصعب الاستمرار في قراءة صفحة كاملة أو كتاب كامل.

نتيجة ذلك تراجع عمق المعرفة، وفقد التركيز، وصار الإنسان يكتفي بالعناوين أو الاقتباسات السريعة. القراءة التي كانت تصنع الحضارات أصبحت طيّ النسيان في حياة كثيرين.

كيف نعيد القراءة إلى حياتنا؟

إعادة العلاقة مع الكتب تحتاج خطوات عملية:

  • قراءة خمس إلى عشر دقائق يوميًا لتصبح عادة.
  • مشاركة الآخرين في نوادي قراءة أو مجموعات نقاش صغيرة.
  • دعم المكتبات الصغيرة في المدارس والأحياء، لتصبح مراكز حقيقية للثقافة.
  • استخدام وسائل التواصل لنشر محتوى جذاب عن الكتب والقراءة.
  • قراءة الأهل أمام أطفالهم لتصبح القراءة جزءًا من حياتهم اليومية.

كتاب واحد… يعيد الإنسان إلى نفسه

القراءة أداة لإنقاذ العقل والروح… حيث كانت سببًا في نهضة الأندلس، وأعادت مطبعة غوتنبرغ أوروبا إلى النور، وما تزال اليوم الطريق الأقصر لاكتساب المعرفة والفهم.

كتاب يُفتح قبل النوم.. بضع صفحات كل يوم، أو فقرة واحدة تُثير فكرة.. قد تُغيّر الكثير داخلك بصمت، وببطء، وتعيد ترتيب الفكر والوجدان كما كانت تفعل الحضارات العظيمة.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top