من حمص إلى حوران، ومن دير الزور إلى دمشق وريفها، مروراً بإدلب وحماة والسويداء، شهدت معظم المحافظات والبلدات السورية حملات تبرع واسعة، قادتها فعاليات أهلية وبرعاية وإشراف حكومي مباشر، في مشهد أريد له أن يقدَّم كصورة لـ”تكاتف السوريين” في زمن الأزمات.
لكن خلف هذه الصورة، بقيت القنيطرة وتجمعات أبناء الجولان خارج هذا الحراك تماماً، لا حملات تبرع، ولا صناديق إغاثة، ولا حتى خطاب رسمي يلتفت إلى واحد من أكثر المجتمعات السورية هشاشة وتهميشاً.
قرار بالاستثناء أم استمرار للعقاب؟
بحسب ما يؤكده ناشطون ووجهاء من أبناء تجمعات الجولان، تم رفض مبادرة لإطلاق حملة تبرعات لصالح هذه التجمعات، بقرار مباشر من محافظ القنيطرة، في وقت كان الشارع السوري يشهد موجة تضامن واسعة مع مناطق أخرى.
هذا الرفض لم يأتِ من فراغ، فهو يتقاطع مع سياسة رسمية عمرها عقود، تقوم على ترك تجمعات نازحي الجولان، المنتشرة في محيط دمشق وريفها ودرعا، تواجه قدرها وحيدة، تحت خطّ الفقر، وببنية تحتية منهارة أو شبه غائبة، وخدمات أساسية لا تكاد تُرى، تقارير ميدانية عديدة وثّقت تحوّل قرى وتجمعات نازحي الجولان جنوب دمشق ودرعا إلى “أحزمة بؤس” محاطة بالتهميش، وافتقار شبه كامل للخدمات.
القنيطرة المنسية… دمار بلا تعويض
إذا كانت تجمعات الجولان حول دمشق ودرعا تعيش الفقر والإهمال، فإن قلب هذه القضية “محافظة القنيطرة نفسها ” لا يزال شاهداً على طبقات متراكمة من الإهمال.
بلدات كاملة، مثل مسحرة وغيرها، تعرضت على مدى سنوات لقصف ومعارك متكررة، ما أدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وتحويل المدارس والمساجد والمنازل إلى أطلال، في ظل خدمات خجولة وحرمان الأهالي من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
القنيطرة واجهت اعتداءات وتوغلات إسرائيلية متكررة، فإن التعامل الرسمي معها ظل في إطار ردّ الفعل السياسي، دون أن يُترجم ذلك إلى خطة إنقاذ حقيقية تعيد بناء ما تهدّم، أو تعوّض عشرات آلاف المتضررين، لقاءات رسمية عُقدت بين رأس الدولة ووجهاء القنيطرة، وجرى الحديث فيها عن “الأوضاع الخدمية والمعيشية”، لكن شيئاً ملموساً لم يصل إلى حياة الناس حتى الآن.
محافظ بصفتين… ومحافظة بلا أولوية
تعيين أحمد الدالاتي محافظاً للقنيطرة، قُدّم رسمياً على أنه ضخّ لدمٍ جديد في هذه المحافظة المنسية، الدالاتي وُصف في وسائل الإعلام بأنه من “أبرز الشخصيات المؤثرة في إدارة العمليات العسكرية والسياسية” خلال السنوات الماضية، ما عنى عملياً استمرار النظرة الأمنية–السياسية للقنيطرة، على حساب النظرة الخدمية–الإنمائية.
المعضلة هنا ليست في الشخص فقط، بل في الفلسفة التي تقف وراء هذا النمط من التعيينات، مسؤول يتنقل بين ملفات حساسة، من ريف دمشق والسويداء إلى القنيطرة، في وقت تحتاج فيه المحافظة إلى إدارة تتفرغ لهمومها، وتكرّس كل جهدها لرفع الظلم التاريخي عن أهلها وعن تجمعات الجولان المنتشرة في دمشق وريفها ودرعا.
عندما يكون من يتولى إدارة محافظة بهذه الهشاشة منشغلاً بتعدد الملفات، تصبح القنيطرة وتجمعات الجولان عملياً في ذيل الأولويات، وينعكس ذلك مباشرة على غياب المبادرات، مثل حملات التبرع، وعلى استمرار الفجوة بينها وبين باقي المحافظات.
أسئلة مفتوحة… وجرح مفتوح
– كيف يمكن تبرير غياب القنيطرة وتجمعات الجولان عن خرائط التبرع الرسمية والشعبية؟
– لماذا لا تُعامل هذه المناطق التي دفعت ثمن الاحتلال والحرب والإهمال معاً كأولوية مطلقة في أي خطة إنقاذ أو إعادة إعمار أو حملات إغاثة؟
– لماذا يصرّ صانع القرار على إعادة إنتاج النمط ذاته من التعيينات، التي تتجاهل الكفاءات المحلية ذات التاريخ النضالي والقدرة على تمثيل أهلها، لصالح شخصيات مرتبطة بمراكز القوى التقليدية، وغير مندمجة اجتماعياً في هذه الحواضر المهمَّشة؟
القنيطرة وتجمعات الجولان اليوم ليست مطالِبة بامتيازات، بل بالحدّ الأدنى من العدالة:
– أن تكون حاضرة في حملات التبرع كما حلب وحمص وحماة والسويداء.
– أن تتحول تجمعاتها إلى وحدات إدارية حقيقية تمتلك صلاحيات خدمية مباشرة، لا مجرد “تجمعات” تُستخدم في التقارير والزيارات البروتوكولية.
– أن يُمنح أبناؤها، من أصحاب السيرة الثورية والخبرة الإدارية، فرصة إدارة شؤون مناطقهم بأنفسهم.
إلى أن يحدث ذلك، ستبقى حواضر الجولان تغلي تحت السطح، تنزف تهميشاً وفقراً، بينما يُرشّ على جراحها الملح، خشية الاعتراف بفشل السياسات القديمة–الجديدة.
أما السؤال الأهم الذي يبقى بلا إجابة فهو: إلى متى يُترك أبناء الجولان يدفعون ثمن الجغرافيا والسياسة، دون أن تُعترف لهم ولو مرة بحقهم البسيط في أن يكونوا جزءاً كاملاً من هذا الوطن، لا هامشاً دائماً على خرائطه؟
- محمد قنو






