في تطور لافت يعكس تحولات إقليمية عميقة، شاركت سورية في مؤتمر الأمن الإقليمي الذي عقد في العاصمة البحرينية المنامة، لتضع بذلك قدماً جديدة في مسار إعادة التموضع السياسي والأمني في الشرق الأوسط. هذه المشاركة لم تكن مجرد حضور رمزي، بل جاءت في سياق متغيرات دولية وإقليمية تعيد النظر في موقع سورية من كونها مصدر قلق إلى طرف يمكن أن يسهم في صياغة معادلات الاستقرار. لقد شكل المؤتمر منصة جمعت مسؤولين وخبراء من مختلف دول المنطقة، وكان لافتاً أن سورية حضرت بجناح رسمي، ما يعكس رغبة واضحة في تجاوز العزلة والانخراط في حوارات الأمن الجماعي.
الاهتمام الأمريكي المتجدد باستقرار الشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود، دفع واشنطن إلى مراجعة بعض سياساتها تجاه دمشق. فبعد سنوات من التعامل مع سورية كملف أمني مغلق، بدأت بعض الدوائر الأمريكية ترى أن تغييب الحكومة السورية عن ترتيبات الأمن الإقليمي يضعف جهود مكافحة الإرهاب ويعزز الفراغات التي تستغلها التنظيمات المتطرفة. هذا الإدراك الجديد يتقاطع مع رغبة عربية متزايدة في إعادة دمج سورية ضمن المنظومة الإقليمية، ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأسباب أمنية تتعلق بمكافحة الإرهاب وضبط الحدود.
ومن أبرز التحولات التي يمكن ربطها بهذه المشاركة، هو الدفع باتجاه إعادة ملف مكافحة داعش إلى الحكومة السورية، بعد سنوات من هيمنة قوات سوريا الديمقراطية عليه بدعم أمريكي. هذا التحول يحمل دلالات استراتيجية، إذ يعيد الاعتراف بشرعية الدولة السورية في إدارة ملف حساس، ويقلص من تعددية الجهات الفاعلة غير الحكومية التي غالباً ما تعيق التنسيق الأمني. كما أن هذا المسار يفتح الباب أمام إعادة بناء الثقة بين دمشق وبعض العواصم الغربية، ولو بشكل تدريجي، عبر بوابة التعاون في مكافحة الإرهاب.
لكن هذا الانفتاح النسبي لا يلغي التحديات الداخلية التي تواجه سورية، وعلى رأسها التوغل الإسرائيلي المتكرر في العمق السوري، سواء عبر الغارات الجوية أو العمليات الاستخباراتية. هذه التحديات تضع الحكومة السورية أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرتها على حماية السيادة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات التواصل الإقليمي والدولي التي بدأت تتشكل من جديد. فالتوازن بين الرد على الانتهاكات الإسرائيلية وبين الانخراط في ترتيبات الأمن الجماعي يتطلب حكمة سياسية وقدرة على المناورة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتعدد المصالح الدولية.
تفتح مشاركة سورية في مؤتمر المنامة الأمني نافذة جديدة لفهم التحولات في بنية النظام الإقليمي، حيث لم تعد مقاربة الأمن تُبنى على استبعاد الأطراف المأزومة، بل على إعادة تأهيلها ضمن منظومة جماعية تتقاسم المسؤوليات والمخاطر. هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر التجزئة أو الإقصاء، بل عبر إعادة دمج الدول التي كانت تُعامل كملفات أمنية مغلقة. وفي هذا السياق، تصبح سورية ليس فقط طرفاً معنياً بالأمن، بل أيضاً ساحة اختبار لنموذج جديد من الحوكمة الإقليمية، يوازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات التنسيق الجماعي.
كما أن هذه المشاركة تطرح سؤالاً عميقاً حول إعادة تعريف مفهوم “الشرعية الأمنية”، إذ لم تعد تُقاس فقط بقدرة الدولة على ضبط حدودها أو مواجهة الإرهاب، بل أيضاً بمدى قدرتها على الانخراط في الحوارات متعددة الأطراف، وتقديم رؤى استراتيجية تتجاوز منطق الدفاع إلى منطق البناء. سورية، في هذا الإطار، تواجه تحدياً مزدوجاً: أن تثبت قدرتها على تمثيل مصالحها ضمن هذه المنصات، وأن تتجاوز الخطاب التقليدي الذي يربط الأمن بالقوة العسكرية فقط، نحو خطاب يدمج التنمية، إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين كركائز للاستقرار المستدام. هذا التحول في اللغة والموقع قد يكون مقدمة لإعادة صياغة دور سورية في الإقليم، ليس كدولة خارجة من الحرب، بل كدولة تسعى لتثبيت مكانتها عبر أدوات جديدة من التأثير والتعاون.
ختاماً:
إن مشاركة سورية في مؤتمر المنامة تمثل نقطة تحول في مسار طويل من العزلة والصراع، وتفتح نافذة جديدة نحو إعادة تعريف دورها في المنطقة. وبين التحديات الأمنية والفرص السياسية، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة دمشق على تحويل هذا الحضور إلى مسار دائم نحو الشراكة والاستقرار، لا مجرد لحظة عابرة في مشهد إقليمي متقلب.






