اجتماع الرئيس السوري مع الحكومة والمحافظين

جهودٌ مستمرة تقوم بها الحكومة السورية الجديدة منذ سقوط النظام حتى اليوم، فبعد حوالي عشرة أشهر على بداية بناء الجمهورية الجديدة، مرّ الشعب السوري بمحطاتٍ مختلفة، بدءاً من سيطرة قوات “درع العدوان” على كامل مرافق ومؤسسات الدولة السيادية والسياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية، مروراً بإقامة مؤتمر وطني جامع، وما تلاه من إصدار الإعلان الدستوري الذي حدّد صلاحيات الرئيس أحمد الشرع كرئيسٍ مؤقتٍ وقائدٍ للجمهورية العربية السورية، يقودها في عمليةٍ انتقاليةٍ إلى برّ الأمان، وذلك عبر وضع خارطة طريقٍ للمرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومةٍ مؤقتة، والتعديل الوزاري الذي طرأ عليها بعد ثلاثة أشهر من تشكيلها، بالإضافة إلى تشكيل هيئاتٍ ولجانٍ ومؤسساتٍ مستحدثة، حتى الوصول إلى تعيين هيئة ناخبة ثورية، وتهيئة الظروف لتشكيل مجلسٍ تشريعيٍّ وبرلمان سوريٍّ مؤقت جديد هو الأول بعد انتصار الثورة، وهو ما حصل فعلاً.

إذاً، هو مسارٌ طويلٌ وشاقّ، تنتقل فيه الجمهورية الجديدة من فكر الثورة إلى فكر الدولة، ومن فكر الشعب المعارض إلى فكر الشعب الداعم للحكومة، فكان لا بدّ من القيادة الحالية أن تأخذ دورها الأساسي والفاعل في التخطيط والتنظيم والإدارة والمراقبة والمتابعة لأعمال وإنجازات وزارات وهيئات ودوائر الدولة. وبناءً على ذلك، ترأّس الرئيس أحمد الشرع اجتماعاً موسعاً هو الأول من نوعه منذ سقوط النظام وانتصار الثورة، اجتماعاً موسعاً بحضور جميع الوزراء ورؤساء الهيئات العامة والمحافظين في الجمهورية العربية السورية، جرى خلاله بحث آخر المستجدات السياسية والأمنية والعسكرية، واستعراض موجز لما تحقق من إنجازات في مختلف القطاعات.

اجتماعٌ هامّ يأتي بعد إحراز الكثير من التقدّم والأعمال التي عززت استقرار الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والخدمية. ناقش الاجتماع العديد من القضايا، أهمها على الصعيد الدبلوماسي السياسة الخارجية السورية الإيجابية والمتوازنة التي ساهمت في تعزيز مكانة سوريا الإقليمية والدولية، وفكّ العزلة الدولية عنها، وتحقيق تقارب إيجابيٍّ مع المحيط العربي بشكلٍ عام، والغربي بشكلٍ خاص.

وناقش الاجتماع أيضاً إنجازات وزارة الداخلية على الصعيد الأمني في الداخل، ونجاحها في فرض الاستقرار النسبي، ومكافحة المخدرات، وتثبيت الأمن والسلم الأهلي، وتأمين عملية انتخابات مجلس الشعب المؤقت، والاستمرار في حماية أمن المواطنين وأرزاقهم.

كما ناقش الاجتماع جهود وزارة الدفاع في بناء جيشٍ احترافيٍّ تقنيٍّ، ومساعي الوزارة في تطوير وتعزيز ورفع سوية وقدرات الجيش العربي السوري ليأخذ دوره في الدفاع عن أمن الوطن وحدوده.

وتناول الاجتماع كذلك جهود باقي الوزارات فيما يتعلق بإدارة الكوارث والطوارئ والبيئة، وإنجازات وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل، والتربية والتعليم العالي، والإسكان والأشغال العامة، والطرق والمواصلات، والاتصالات والطاقة، والمشاريع المحلية والاستثمارات الدولية.

كما ناقش الاجتماع أوضاع كل محافظةٍ على حدة، وأكّد الحضور على تركيز التوجه الحكومي لمعالجة مشاكل كلٍّ من محافظتي السويداء وشمال شرق سوريا بالطرق الدبلوماسية والسلمية، عبر جهودٍ مستمرةٍ لحلّ الخلافات وزيادة اللحمة الوطنية، وتعزيز الثقة من جديد كشعبٍ سوريٍّ واحدٍ لا يتجزأ يسير نحو التقدم والازدهار.

عكس الاجتماع روح التفاعل والنشاط والكفاءة، وهذا يشير إلى الخبرة الحكومية الواسعة والاحترافية والتطور السريع في أدائها كحكومةٍ مؤقتةٍ في فترة حساسة جداً من تاريخ سوريا، بعد ستة أشهرٍ من العمل والنشاط والاجتهاد. إنجازاتٌ تُعتبر كبيرة مقارنةً مع التحديات التي ما زالت تواجه عمل الحكومة، أبرزها التأخر في البدء بعمليةٍ واسعة وضخمة لإعادة الإعمار، وعدم وضوح مستوى القدرة الفعلية للحكومة على تأمين عودة اللاجئين، وصولاً إلى المهمة الأكثر صعوبة، وهي إعادة بناء اللحمة الوطنية في مجتمع ممزق ومنهك. ولا يمكن تحقيق ذلك دون استعادة وحدة البلاد وإنهاء الانقسامات السياسية والمجتمعية، وهو ما يتطلب جهوداً تتجاوز مجرد الإدارة اليومية إلى مستوى بناء الثقة الوطنية.

بالإضافة إلى استمرار الجهود المتواصلة لتحقيق العدالة الانتقالية والسلم المجتمعي الكامل، فإن التحديات الجسام التي تواجه الحكومة الانتقالية تتطلب موارد مادية وبشرية وصلاحيات واسعة، في حين إنها تعاني نقصًا شديدًا في الموارد.

وعلى الرغم من الملاحظات السابقة، فإن الأمل لا يزال قائماً في أن تتمكن هذه الحكومة من تحقيق الكثير من الإنجازات الملموسة، لا سيّما في الملفات الخدمية والمعيشية. والسوريون سيمنحون الحكومة مهلةً غير معلنة، لكنها ستكون حاسمة، ربما تصل إلى ستة أشهر، قبل أن تبدأ المحاسبة الشعبية، وخصوصاً بعد تشكيل مجلس الشعب الجديد الذي سيكون له دور رقابي كبير على أداء الحكومة. وخلال هذه الفترة ستتم مراقبة الأداء في كل وزارة، ومتابعة مدى تنفيذ البرامج المعلنة خلال حفل الإعلان.

وما ترؤس القائد أحمد الشرع لهذا الاجتماع إلا لتقييم ومراقبة أداء هذه الحكومة، وتسجيل كامل الملاحظات على عملها، تمهيداً لتغيير وزاريّ وإداريّ أصبح مؤكداً وقريباً جدًا، وربما يكون قبل بداية العام الجديد.

ويبقى السوريون، رغم كل الخيبات، شعباً يراقب بعين مفتوحة وعقل يقظ، ينتظرون أيّ بارقة أملٍ تنقذهم من واقع الانقسام والحرمان، وهم يدركون أن الوقت لم يعد يحتمل التجريب أو التلاعب بالشعارات، فالنجاح هذه المرة ليس خياراً إضافياً، بل ضرورةٌ وطنيةٌ لا تقبل التأجيل.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top