سيظل أهل الجولان بحاجة إلى زخم إعلامي وخطاب جديد يكشف حجم الغبن الكبير الذي عاشوه منذ أكثر من خمسة عقود.
لقد قام نظام العصابة البائد باستخدام قضية الجولان والمتاجرة بها واستغلالها أبشع استغلال. فلم يكتفِ بالتآمر والتخلي الكامل عن الجولان وجعله ثمناً لتثبيته على حكم سورية، بل راح يعمل جاهداً على إزاحة أهل الجولان من المشهد السياسي والإعلامي بشكلٍ شبه كامل.
إن من أخطر القضايا التي عمل نظام العصابة على ترويجها هي طمس هوية السواد الأعظم من أهل الجولان الأصليين واستبدالها بهوية الطائفة الدرزية الصغيرة التي كانت تعيش في أربع قرى من أرض الجولان. وقد جنّد لهذا الغرض برامج إعلامية اعتمدت الكذب الممنهج والتزوير المتعمد؛ من من السوريين لا يذكر برنامج “رجال الشمس” الذي استمر لأكثر من عشرين عاماً وهو يتحدث عن سكان القرى الأربع؟ فكان لا يظهر في الصورة سوى سكان قرى مجدل شمس وعين قنية والغجر، بشواربهم ولحاهم الطويلة وعمائمهم البيضاء، وكيف أنهم تظاهروا ورفضوا الهوية الإسرائيلية وقاوموا الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يقترب منهم ولم يزعج قراهم الوادعة برصاصة واحدة عام 1967.
وبين ثنايا البرنامج الإعلامي، كانت تطالعنا من وقت لآخر قصة “ربيعة” تلك البنت الدرزية التي تزوجت خلف الحدود، وكيف كانت تخاطب أهلها عبر مكبرات الصوت لتسمعهم ويسمعوها من خلف الشريط الشائك، حيث استمر المسلسل المقيت “ربيعة” لأكثر من عشرة أعوام. كانت بعد زواجها تظهر مراراً في أكثر الحلقات لتسلم على أهلها عبر الميكروفون، وتبشرهم بأنها “حامل”. وبعد سنة أو أكثر، تنادي ربيعة عبر مكبر الصوت أنها قامت بالسلامة بعد ولادتها، فلقد ولدت وجاءت بمقاوم شرس سيتابع مسيرة الكفاح والمقاومة ضد المحتلين الغزاة. كل ذلك كنا نتابعه بشكلٍ شبه إجباري عبر القناة الأرضية الوحيدة (حط عَ “الشام”).
ومع الأسف، فقد نجح النظام البائد في تزوير الحقائق إلى حد بعيد عبر آلة الإعلام المسموم، الذي اعتمد على الكذب المتواصل حتى استطاع أن يقلب الحقائق في أذهان الكثير من الشعب السوري، الذي كان مجبراً على تلقي معلوماته وثقافته عبر طريق واحد. حيث اقتنع أغلب الشعب السوري بأن الجولان لا يوجد فيه سوى الدروز، في حين كان التعتيم الكامل يلف أهل الجولان المحتل الحقيقيين الذين نزحوا وانتشروا في دمشق ودرعا وباقي الأرض السورية، يكافحون ليل نهار لتأمين الحد الأدنى من ضروريات الحياة.
أما اليوم، فقد استطاع أبناء الجولان المحتل – بفضل الله ثم بفضل مناخ الحرية الذي أكرمنا الله به – أن يكشفوا الحقائق التي حاول نظام الفجور والكذب أن يطمسها ويلغيها. وقد بدأ أبناء الجولان، ومعهم الكثير من الأحرار السوريين، بفضح الافتراءات وكشف الحقائق وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي روجها النظام، وبدأ العمل على تكريس ثقافة جديدة وتثبيت وعي وفهم يوازي حجم الجريمة التي ارتكبها النظام في تغيير الواقع الديمغرافي في الجولان المحتل.
لقد بدأ السوريون باستيعاب الحقائق المغيبة عن جزء مهم وغالٍ من وطنهم سورية وهو الجولان، وكيف أراد النظام البائد أن يختزل الجولانيين في سكان القرى الدرزية الأربع، ويطمس ويلغي سكان أكثر من ثلاثمئة وسبعين قرية وبلدة ومدينة يتجاوز عددهم الآن أكثر من مليون نسمة موزعين على دمشق ودرعا وغيرها من المحافظات السورية.
فلنمضِ معاً لنرسخ وعياً جديداً من أجل تفكيك رموز المرحلة السوداء التي مرت بها بلادنا.






